تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة

تأليف: آية الله المحقق الشيخ محمد حسين النائيني

(25  ذي القعدة الحرام سنة 1276 هـ ـ يوم السبت السادس والعشرين من شهر جمادى الاُولى سنة 1355 هـ

الموافق 14/6/1860م ـ الموافق 14/8/1936م)

  

فهرست                                                                                        2

ـ توطئة                                                                                  2               

ـ مقدمة في شرح حقيقة الاستبداد ودستورية الدولة                                  4

ـ الفصل الأول: حقيقة السلطنة المجعولة في الدين الإسلامي                         18

ـ الفصل الثاني: وظيفة المسلمين السياسية في عصر الغيبة                          20

ـ الفصل الثالث: هل يوجد بديل عن الحكم الدستوري؟ وهل هو خالٍ من الاشكال؟   23

ـ الفصل الرابع: الشبهات التي أثيرت حول الحكم الدستوري والإجابة عليها         28

ـ الفصل الخامس: صحة تدخل النواب وبيان وظائفهم وشرائط مشروعيتها         41

ـ الخاتمة: قوى الاستبداد وطرق مكافحته                                              47

 

توطئة([1])

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على أشرف الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد:

فإن المطلعين على تأريخ العالم يعلمون بأن الأمم المسيحية والأوربية لم يكن لها قبل الحروب الصليبية أي نصيب من العلم والمدنية والنظم السياسية، وهذا يرجع إلى أحد أمرين:

فأما أن الشرائع التي آمن بها الأوربيون لم تكن تنطوي على ذلك، أو أنهم حرفوا تلك الشرائع والكتب. وبعد وقوع تلك الواقعة العظيمة ـ الحروب الصليبية ـ عزوا انكسارهم إلى تخلفهم وجاهليتهم، فجعلوا معالجة هذا المرض ـ وهو أساس كل الأمراض ـ نصب أعينهم وأهم أهدافهم وانطلقوا نحو هدفهم هذا بشوق وحنين، فأخذوا الأصول الإسلامية في حقلي التمدن والسياسة من الكتاب، والسنة، ومن خطب ومواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) وبقية المعصومين. وقد اعترفوا بذلك في تواريخهم السابقة منصفين، وأقروا بأن العقل البشري قاصر عن التوصل إلى تلك الأصول والمبادئ، وأعلنوا أن جميع ما حصلوا عليه من الرقيّ والتقدم، وما وصل إليه المسلمون في أقل من نصف قرن، كان نتيجة للالتزام بتلك المبادئ واتباعها.

إن حسن ممارسة الأوربيين لهذه المبادئ، وجودة استنباطهم واستخراجهم لها، وبالمقابل السير القهقرائي للمسلمين ووقوعهم تحت نير الاستعباد المذل، وتحولهم إلى أسرى بأيدي طواغيت الأمة المعرضين عن الكتاب والسنة هو الذي آل بأمر الطرفين إلى ما نشاهده اليوم، حتى نسي المسلمون تلك المبادئ، وأخذوا يظنون أن تمكين النفوس لتلك العبودية وذلك الاسترقاق هو من وحي الإسلام، واستنتجوا أن هذا الدين ينفي التمدن والعدالة اللذين يمثلان أساس الرقي، وحسبوا أن الإسلام يخالف العقل، وأنه أساس الانحطاط والتخلف.

وفي هذه البرهة من الزمن حيث وصل السير التراجعي إلى نقطته الأخيرة بحمد الله وحسن تأييده، وانقضى عهد الذل والخضوع لإرادة الحكام الجائرين وتصرّمت سني الاسترقاق اللعينة، انتبه عموم المسلمين، وعرفوا مقتضيات دينهم ومذهبهم. وذلك بفضل الدور الذي لعبه الزعماء الدينيون في إرشادهم وهدايتهم. فعلم المسلمون أن الحرية التي منحها الله سبحانه لهم تصطدم مع الرقية لفراعنة الأمة، واستأنسوا بالحقوق المشروعة كالمساواة والمشاركة في جميع الأمور مع الحكام. فانطلقوا كالسمندر([2]) يتخطون لهيب النار لخلع طوق العبودية للجبابرة، واسترداد حقوقهم المغصوبة، غير آبهين ببحار النيران، ومعلنين أن إراقة دمائهم الطبية في سبيل هذا الهدف هو من أعظم ما يوجب السعادة والحياة للشعب، ومؤثرين التضمخ بالدم على الحياة الذليلة الأسيرة للظالمين.

وقد تعلّموا كل هذا من سيد المظلومين (عليه السلام) حيث قال: "... نفوس أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام"([3]).

إنّ صدور الأحكام من علماء الإسلام في النجف الأشرف والتي تنص على وجوب تحقيق هذا المشروع المقدس، وتعقيب مشيخة الإسلام في اسطنبول التي تمثل مرجعية أهل السنة بفتوى تنص على براءة الساحة المقدسة للدين الإسلامي الحنيف من الأحكام الجائرة المخالفة لضرورة العقل النزيه والمستقل لحجة ظاهرة قطعت لسان المعيبين، لكن الذئاب المفترسة التي تريد الوقيعة بإيران، ومن أجل الإبقاء على شجرة الظلم والاستبداد الخبيثة ومن أجل اغتصاب أموال ورقاب المسلمين، رأوا في رفع شعار الدين خير وسيلة للوصول إلى مآربهم. ولهذا رفعوا مقولة فرعون {أخاف أن يبدّل دينكم}([4])، ولم يرفعوا أيديهم عن هذا الاسم الذي لا مسمى له، وهذا اللفظ الخالي من المعنى، وتواطئوا مع فراعنة إيران وفعلوا ما فعلوا، حيث جددوا شنائع الضحاك وجنكيز خان وأسموها تديّناً، وقالوا بأن سلب الصفات الإلهية الخاصة به عز وجل ـ كالإدارة المطلقة والفعل بما يشاء وكونه لا يُسأل عمّا يفعل ـ من الحكام الجبابرة أمر ينافي الإسلام، وراحوا يشهّرون ـ من خلال عملهم هذا ـ بالإسلام ويتهمون الشرع القويم بهذه الصفات البذيئة أمام المسيحيين، الذين طالما تتبعوا وأحصوا السقطات والعثرات وألصقوها بالإسلام، فظلموا الساحة النبوية المقدسة، بل وحتى الذات الإلهية المقدسة.

وبذلك أوصلوا والاستبداد إلى أعلى الدرجات حيث ظلموا الخالق ليظلموا المخلوق، فصدق الله العظيم حيث يقول: {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون}([5]).

وعملاً بمقتضى الحديث القائل: "إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهر علمه، وإلاّ فعليه لعنة الله"([6]) يكون السكوت على هذه الزندقة والإلحاد والتلاعب بالدين المبين وعدم الانتصار للشريعة المقدسة في دفع الظلم والضيم البيّن تركاً للواجب والتكليف، بل هو مساعدة ومعونة للظلم.

لهذا فقد آليت على نفسي أداء التكليف، والقيام بهذه الخدمة، وإظهار مخالفة هذه الزندقة والإلحاد مع ضرورة الدين الإسلامي. آملاً أن تكون مبادرتي هذه مورد قبول الحق تعالى وموجبة لسقوط التكليف عن الباقين. وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكلت وإليه أنيب وهو المسدد للصواب.

وبما أن هذه الرسالة وضعت لتنبيه الأمة إلى ضروريات الشريعة وتنزيه الملة عن هذه الزندقة والإلحاد والبدعة، لهذا جعلت اسمها (تنبيه الأمة وتنزيه الملة)، وصنفت مقاصدها على مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.

 

 

المقدمة

في شرح حقيقة الاستبداد ودستورية الدولة

وتحقيق معاني القانون الأساسي ومجلس الشورى الوطني

وبيان مفهوم الحرية والمساواة

 

اعلم أن من الأمور التي اتفق عليها جميع المسلمين، بل عقلاء العالم أجمع، هو أن استقامة نظام وحياة النوع البشري متوقفة على وجود سلطنة وحكومة سياسية، سواء قامت بشخص واحد أو بهيئة، وسواء كان المتصدي لها غاصباً قاهراً أو وارثاً منتخباً.

ومما هو معلوم بالضرورة أيضاً أنه لا يمكن حفظ شرف استقلال أية أمة أو قومية وحفظ خصائصها الدينية والوطنية إلاّ إذا كان النظام الحاكم فيها منتزعاً منها، وكانت الإمارة عليها من نوعها، وإلاّ ذهب ناموسهم الأعظم وشرف استقلالهم وقوميتهم هباءً منثوراً، وإن بلغوا أعلى درجات الثروة والقوة ونالوا ما نالوا من التقدم والرقي.

ومن هنا نجد أن الشريعة المطهرة جعلت حفظ بيضة الإسلام أهم من جميع التكاليف، واعتبرت الحكومة الإسلامية من الشؤون والوظائف المقررة للإمامة، وتفصيل البحث في هذه الجهة موكول إلى مباحث الإمامة وخارج عن موضوع بحثنا هنا.

ومن الواضح أيضاً أن كل الجهات الراجعة لتوقف نظام العالم على أصل السلطة وتوقف حفظ شرف الاستقلال على كون الحكومة من أفراد الشعب الذي تحكمه، إن كل هذه الجهات، ترجع إلى أصلين هما:

1ـ حفظ وصيانة الأنظمة الداخلية للدولة والتربية النوعية للشعب، وإيصال الحق إلى صاحبه، والحيلولة دون ظهور عداوات بين أفراد الأمة، وغير ذلك من الوظائف المرتبطة بمصالح الشعب والدولة.

2ـ حماية الوطن من تدخل الأجانب، والحذر من حيل الأعداء، وإعداد القوة الدفاعية والمعدات الحربية وغير ذلك من الأمور التي عبر عنها المتشرعون بـ (حفظ بيضة الإسلام)، وعبر عنها غيرهم بـ (الحفاظ على الوطن). وتسمى الأحكام المقررة في الشريعة لإقامة هذه الوظائف بالأحكام السياسية والمدنية، وهي الجزء الثاني من الحكمة العملية([7])، ولذا اهتم سلاطين الفرس والروم قديماً اهتماماً شديداً في انتخاب الحكماء الذين قطعوا أشواطاً كبيرة في العلم والتجربة كوزراء لهم، وكان هؤلاء يتقبلون الوزارة مع كمال الاحتياط والورع.

إن وضعية الخراج وكذلك تنظيم سائر القوى النوعية، بل إن السلطة ومنذ بدء تكونها وبغض النظر عمّن يتصدى لها من الأنبياء أو الحكماء، جاءت من أجل العمل بهذه الوظائف وتحقيق هذه الجهات، وقد سارت الشريعة المطهرة على نفس الشاكلة مع تكميل النواقص وتبيين الشروط والقيود.

أما كيفية استيلاء السلطان وتصرفه في البلاد من حيث كونه تملّكاً أو ولاية، فهي على نحوين لا ثالث لهما:

الأول: الاستيلاء على نحو التملّك، وهو أن يتعامل السلطان مع مملكته كما يتعامل المالكون مع أموالهم الشخصية، فتعتبر البلاد وما فيها ملكاً شخصياً له، ويجعل الشعب عبيداً له، فهم كالأغنام والعبيد والإماء لم يخلقوا إلاّ له، فيقرب من كان وافياً الغرض متفانياً في تحقيق شهوات السلطان، وينفي عن البلاد ـ التي ظنها ملكاً شخصياً له ـ من وجده مخالفاً له، وقد يعدمه أو يقدمه لقمة سائغة لكلابه وما حوله من الذئاب الضارية، ثم يأمرهم بنهب أمواله وسلب عياله، فهو ينتزع الأموال من أصحابها متى شاء، ويوزّعها على من يشاء ظلماً وعدواناً، ويأخذ الحق من أهله غصباً، ويتصرف في البلاد مختاراً، ويستوفي الخراج كما يستوفي المؤجر مال إجارته، وكما يأخذ صاحب الأرض حقه الخاص من أرضه، وكما يفعل سائر الملاكين بمزارعهم وضياعهم، وكل ذلك منوط بإدارته واختياره، فإذا شاء احتفظ بالأموال، وإن شاء وهبها للمتملقين والمتزلفين، وإن شاء باعها أو رهنها في سبيل تهيئة مصارفه وتأمين شهواته، وربما تطاول على الناموس الأعظم، وأظهر للملأ عدم التزامه بناموس من النواميس وعدم انقياده لدين من الأديان، ومع كل ذلك قد ينتحل الصفات القدسية والأسماء الإلهية بمساعدة أعوانه وأصحابه. وهكذا فكل شيء في البلاد مسخّر لشهواته وسلطانه، مطبّقاً على نفسه قوله تعالى: {لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون}([8])!

وحيث يسود الهوى والتحكم الشخصي في هذا النوع من السلطة، ويبدو نوعاً من الملك الشخصي، لذا فإنه يسمى استبداداً وتحكّماً واعتسافاً وتسلطاً. وأما وجه هذه التسمية ونسبة هذه الأسماء إلى مسمياتها فظاهر واضح، وصاحب هذا النوع من السلطة يسمى الحاكم المطلق والحاكم بأمره ومالك الرقاب والظالم والقهار وأمثال ذلك، والأمة المبتلاة بهذا الأسر والقهر والذلة تسمى أسيرة وذليلة ومسترقّة. وبملاحظة حالها المشابه لحالة الأيتام والصغار، حيث لا علم لهم بممتلكاتهم المغصوبة، لذا فهم يُدعون بالمستصغرين والأمة المستصغَرة، أي المعدودة في عداد الصغار والأيتام، بل إن من الممكن تسميتها بالأمة المستنبتة، أي المندرجة في عداد النباتات البرية والحشائش الصحراوية، لأنها أمة مسخرة في مصالح السلطان وفانية في إراداته وميوله، ولم يكن حظها من حياتها إلا كحظ النباتات التي خلقت لغيرها لا لنفسها.

ولهذا النوع من السلطة درجات تتفاوت تبعاً لطغيان السلاطين من جهة، وإدراك الأمة لموقفها من جهة ثانية، وتبعاً لدرجة التوحيد عند الأمة ومدى استعدادها لإشراك السلاطين مع الله سبحانه في (فاعلية ما يشاء، والحاكمية بما يريد، وعدم المسؤولية عمّا يفعل)، إلى غير ذلك من الأسماء الإلهية والصفات الأحدية من جهة ثالثة. وبالنسبة للسلطان فإن آخر الدرجات عنده هي ادعاء الألوهية! ولا يقف هذا السيل الجارف الآخذ بالطغيان والازدياد إلاّ عندما تدرك الأمة لموقفها وتصل درجة الاستنكاف من تمكين السلطان من ادعاء مقام الألوهية، وإلاّ فإنه يواصل سيره حتى يبلغ هذه الدرجة، كما يظهر ذلك جلياً في سيرة الفراعنة السابقين.

وبمقتضى المثل السائر (الناس على دين ملوكهم) تكون معاملة أفراد الأمة من دونهم على نفس منوال السلطان مع الأمة، من حيث المعاملة التعسفية، وهذه الشجرة الخبيثة تستمد أصلها من جهل الأمة بوظائف السلطنة وحقوقها الشرعية المشتركة، وقوامها الوحيد عدم وجود محاسبة السلطان في البين، وعدم تحميله المسؤولية عندما يرتكب الأعمال المنافية لموقعه المسؤول في الأمة.

الثاني: أن لا تقوم السلطة على المالكية ولا القاهرية ولا الفاعلية بما يشاء ولا الحاكمية بما يريد، وإنما على أساس إقامة تلك الوظائف والمصالح النوعية المطلوبة من السلطة، وأن تكون اختيارات الحاكم محدودة بحدود هذه الوظائف ومشروطة بعدم تجاوزه حدود الوظائف المقررة عليه.

وهذان النوعان من السلطة متضادان ولهما آثار ولوازم متباينة متناقضة؛ فالنوع الأول بجميع مراتبه ودرجاته مبني على القهر والتسخير واستخدام الأمة من قبل السلطان واستهلاك قدراتها المالية وغير المالية في سبيل أهوائه وشهواته ومواقفه اللامسؤولة؛ فإن فتك فقد فتك بمملوكه، وإن عفا فهو أهل العفو عن عبيده وإمائه، وله أن يقتل ويقدم المقتول للذئاب الضارية من حوله، وإن قنع بنهب الأموال ولم يتعرّض للناموس فقد فعل ما يستحق الشكر ويستوجب المنة! فنسبة الشعب للسلطان كنسبة العبيد والإماء للأسياد، بل الأغنام والأنعام لرعاتها، وربما كانوا أقل رتبة، فكانوا لديه بمنزلة النباتات التي ليس لها من وجودها أقل نصيب، فهي موجودة لرفع حاجة الغير فحسب...!

وبالجملة فهذه السلطة عبارة أخرى عن الربوبية والألوهية، بخلاف النوع الثاني فإن حقيقته ولبّه الخالي عن القشور عبارة عن ولاية على إقامة الوظائف الراجعة للدولة. وبعبارة ثانية هي أمانة نوعية في صرف قدرات البلد في مصالحه، لا في الشهوات والميول الفردية. ولذا فإن سلوك الحاكم محدود بحدود الولاية على هذه الأمور ومشروط بعدم تجاوزها، وأفراد الشعب شركاء معه في جميع مقدرات البلد التي تنتسب للجميع بشكل متساوٍ. وليس المتصدون للأمور إلاّ أمناء للشعب، لا مالكين أو مخدومين. وهم كسائر الأمناء مسؤولون عن كل فرد من أفراد الأمة، ويؤاخذون بكل تجاوز يرتكبونه، ولكل فرد من أفراد الشعب حق السؤال والاعتراض في جو يسوده الأمن والحرية، وبدون التقيد بإرادة السلطان وميوله.

وتسمى السلطة الناشئة عن هذا النوع بالمحدودة، والمقيدة، والعادلة، والمشروطة، والمسؤولة، والدستورية، ووجه تسميتها بكل من هذه الأسماء ظاهر، ويسمى القائم بهذه السلطة حافظاً وحارساً، والقائم بالقسط، والمسؤول، والعادل، وتسمى الأمة المتنعمة بظل هذه النعمة، بالأمة المحتسبة والأبيّة والحرّة والحيّة، ومناسبة كل هذه الأسماء لمسمياتها معلومة أيضاً...!

ويتقوّم هذا النوع من السلطة بالولاية والأمانة، ولذا فهو كسائر الأمانات والولايات مشروط بعدم التجاوز ومقيد بعدم التفريط، والعامل الذي يحفظ هذا النوع ويحول دون انقلابه إلى مالكية مطلقة ويردعه عن التعدي والتجاوز إنما هو المراقبة والمحاسبة والمسؤولية الكاملة، ولذا اعتبرت العصمة في مذهبنا ـ نحن معشر الإمامية  ـ شرطاً في الوليّ؛ فهي أعلى درجة متصورة في مقام حفظ الأمانة والحيلولة دون الاستبداد وتحكيم الشهوات. ومن الواضح أن اصابة الواقع والصلاح، وعدم الوقوع في المعصية حتى من باب الخطأ والاشتباه، وكذلك المحاسبة الإلهية وإيثار الوالي تمام أفراد الأمة على نفسه، إلى غير ذلك من الخصائص، أمور تنتهي بواسطة العصمة والانخلاع عن الشهوة إلى درجة لا يصل إلى كنهها أحد، ولا يدرك العقل البشري حقيقتها.

ومع فقدان مثل هذه الشخصية المباركة يصعب الحصول على سلطان هو كأنو شيروان([9]) المستجمع لصفات الكمال، وله من الحاشية مثل بوذرجمهر([10]) في ذهنيته العلمية وفي استعداده لأن يكون حاشية تأخذ على عاتقها المراقبة الكاملة والمحاسبة التامة، على أن حصول مثل هذه الشخصيات لا يعد وافياً بتمام المقصود ولا يغني عن مشاركة الأمة في السلطة ومساواتها مع السلطان وسد أبواب الاستئثارات عليه، وإطلاق حرية الأمة في إبداء الرأي أمامه والاعتراض عليه، لأن أمثال هذه الشخصيات ترى سلوكها نوعاً من التفضل لا الاستحقاق، رغم أن الحصول على أمثال هذه الشخصيات أندر من العنقاء وأعز من الكبريت الأحمر، واطرادها أمر ممتنع.

وغاية ما يمكن إيجاده ونهاية ما يتصور اطراده كبديل بشري طبيعي عن تلك العصمة العاصمة ـ حتى مع مغصوبية المقام([11]) ـ هو حل بمثابة المجاز عن تلك الحقيقة وظل لتلك الصورة. ويتوقف هذا الحل على أمرين:

1ـ إيجاد دستور وافٍ بالتحديد المذكور، بحيث تتميز الوظائف التي يُلزم السلطان بإقامتها عن المجالات التي لا يحق له التدخّل فيها والتصرف بها. ويتضمن أيضاً كيفية إقامة تلك الوظائف وإيضاح درجة استيلاء السلطان وحرية الأمة وما لفئاتها وطبقاتها من حقوق، على وجه يكون موافقاً لمقررات المذهب ومقتضيات الشرع؛ بحيث يكون الخروج عن عهدة هذه الوظيفة والإفراط أو التفريط في هذه الأمانة إفراطاً خيانة ـ كسائر أنواع الخيانة بالأمانات ـ موجبة للانعزال عن السلطة بشكل رسمي وأبدي، وتترتب عليها سائر العقوبات المترتبة على الخيانة. وهو ـ أي الدستور المقترح ـ في باب السياسة والنظام بمثابة الرسالة العملية للمقلدين في أبواب العبادات والمعاملات، وعلى أساسه تبتنى السلطة المقيدة المحدودة، ولذا يلزم مراعاته وعدم تخطّيه في الجزئيات والكليات، ويطلق عليه اسم النظام الدستوري والقانون الأساسي.

وبعد اشتماله على المصالح المطلوبة والتقييد المقصود في مجال السلطة، يكفي لصحته ومشروعيته عدم مخالفة فصوله للقوانين الشرعية. ولا يعتبر أي شرط آخر في صحته ومشروعيته، وسيأتي توضيح الجهات التي يلزم مراعاتها إتماماً لهذا الأمر المهم.

2ـ إحكام المراقبة والمحاسبة، وإيكال هذه الوظيفة إلى هيئة مسددة من عقلاء الأمة وعلمائها الخبراء بالحقوق الدولية المطلعين على مقتضيات العصر وخصائصه، ليقوموا بدور المحاسبة والمراقبة تجاه ولاة الأمور الماسكين بزمام الدولة، بغية الحيلولة دون حصول أي تجاوز أو تفريط، وهؤلاء هم مندوبو الأمة والمبعوثون عنها، ويمثلون قوتها العلمية، والمجلس النيابي عبارة عن المجمع الرسمي المكون منهم، ولا تتحقق وظيفتهم من المحاسبة والمراقبة وحفظ محدودية السلطة ومنع تحولها إلى ملوكية، إلاّ إذا كان جميع موظفي الدولة وهم القوة التنفيذية في البلاد تحت نظارة ومراقبة هذه الهيئة، التي يجب أن تكون هي الأخرى مسؤولة امام كل فرد من أفراد الأمة، ويؤدي الفتور والتهاون في أداء هاتين المسؤوليتين إلى زوال التحديد المقصود للسلطة، وانتقاء حقيقة الولاية وصفة الأمانة عنها نتيجة لتحكم الموظفين واستبدادهم، وذلك في صورة انتقاء مسؤولية الموظفين أمام هيئة المبعوثين عن الأمة، أو عندما يسلك مندوبو الأمة طريق التحكم والاستبداد ولا يتحلون بروح المسؤولية أمام أفراد الأمة.

أمام مشروعية نظارة هذه الهيئة وصحة تدخلها في الأمور السياسية، فهي متحققة طبقاً للمذهبين السني والجعفري معاً؛ فعلى المذهب السني، حيث تناط عندهم الأمور بأهل الحل والعقد، فإن انتخاب المبعوثين يحقق الغرض المطلوب، ولا تتطلب الشرعية طبقاً لهذا المذهب شيئاً آخر. وطبقاً لأصول مذهبنا، حيث نعتقد أن أمور الأمة وسياستها منوطة بالنواب العامين لعصر الغيبة، فيكفي لتحقق المشروعية المطلوبة اشتمال الهيئة المنتدبة على عدة من المجتهدين العدول، أو المأذونين من قبلهم، فإن مجرد تصحيح الآراء الصادرة والموافقة على تنفيذها كافٍ لتحقق مشروعية نظارة هيئة المبعوثين، وسيأتي فيما بعد توضيح أكثر لهذا المطلب.

ومما تقدم يتضح أن أساس النوع الأول من السلطنة ـ الذي هو عبارة عن مالكية مطلقة وفاعلية ما يشاء وحاكمية بما يريد ـ مبني على تسخير الأمة وقهرها بالإرادات السلطانية من جهة، وجعل السلطة أمراً خاصاً بالسلطان، ولا تشاركه فيها الأمة فضلاً عن أن تكون مساوية له، وإيكال كل الأمور إليه وحده من جهة ثانية، ويتفرع عن ذلك عدم مسؤولية السلطان عمّا يقوم به، وكل ما نراه اليوم([12]) في إيران من الشنائع المدمرة للدين والدولة والشعب، والتي لم تقف عند حد، هي من هذا الباب؛ ولا بيان بعد العيان ولا أثر بعد عين.

وقد عرفت أن أساس النوع الثاني معاكس لأساس النوع الأول، وهو عبارة عن ولاية على إقامة المصالح العامة، ومبني على تحرير الأمر من الرق البغيض من جهة، ومشاركة أفراد الأمة بعضهم مع بعض ومساواتهم مع شخص السلطان في جميع أمور البلاد من جهة ثانية، ويتفرع عن ذلك حق الأمة في المحاسبة والمراقبة ومسؤولية الموظفين.

وقد بلغ من استحكام هذين الأصلين والمسؤولية المترتبة عليهما في صدر الإسلام مبلغاً عظيماً، حتى قيل للخليفة الثاني مع ما كان عليه من الأبهة والهيبة يوم رقى المنبر يستنفر الناس للجهاد: لا سمعاً ولا طاعة! لأنهم وجدوه مرتدياً ثوباً يمانياً يستر جميع بدنه، بينما كانت حصة كل واحد من المسلمين من تلك البرود غير كافية لستر جميع البدن، ولم يبق أمامه إلاّ أن يجيب بأنه جمع حصته مع حصة ابنه عبدالله الذي وهبها له فصارت الحصتان ثوباً واحداً يستر جميع البدن، ثم قيل له في جواب الكلمة الامتحانية التي قالها آنذاك: "لنقوّمنّك بالسيف"! فبدى عليه الفرح والسرور من هذا الجواب الذي يبيّن استقامة الأمة([13]).

وعندما كان هذان الأصلان والفروع المترتبة عليهما محفوظة ومصانة كما جعلها الشارع ولم تكن السلطنة الإسلامية قد تحولت من النوع الثاني إلى النوع الأول بعد، كان الإسلام يتسع نطاقه ويسير نحو الرقي بسرعة محيرة للعقول، ولكن بعد استيلاء معاوية وبني العاص على الحكم تبدّلت تلك الأصول والفروع إلى أضدادها. وفي تلك المدة كانت الأمم الأخرى تعيش وضعاً مشابهاً للأمة الإسلامية من حيث الاستبداد والقهر؛ ولذا لم تتراجع حركة الإسلام إلى الوراء، وظلت تراوح في مكانها إلى حين حلول النهضة في هذه الأمم واتباعها للمبادئ الطبيعية وحصولها على الترقي الهائل، حينئذ بدأ الطواغيت يعودون بالأمة إلى ما قبل الإسلام، حيث الرجوع إلى الجاهلية، والابتلاء بهذه الرقيّة الوحشية، والنشأة النباتية الخسيسة {إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم}([14]).

وبالجملة، فإن أساس النوع الأول من السلطنة مبني على الاستعباد واسترقاق الأمة وفرض التحكم والأهواء عليها، وعدم مشاركتها ـ فضلاً عن مساواتها ـ للسلطان، ويتفرع على ذلك عدم مسؤولية السلطان عمّا يقوم به.

كما أن النوع الثاني مبني على أصل تحرير الأمة من هذه العبودية ومشاركة أفراد الأمة ومساواتها مع الشخص الوالي في جميع الشؤون، ويتفرع عن ذلك مسؤولية الوالي عمّا يقوم به.

وفي موارد عديدة من كلام الله المجيد ونصوص المعصومين (عليهم السلام) نجد الشرع يعبّر عن المقهورية تحت إرادة الجائرين بالعبودية التي هي النقطة المقابلة للحرية المطلقة، وقد حذّر المعصومون (عليهم السلام) المسلمين من الوقوع في هذه الهلكة، كما أرشدوهم إلى طرق الخلاص من الذلة، كما يظهر ذلك من قصة فرعون وكيفية استيلائه على بني إسرائيل؛ ذلك الاستيلاء الذي وصفه القرآن بالاستعباد، رغم أنهم لم يقرّوا لفرعون كما أقرّ له الأقباط بالعبودية، وكانوا معذبين محبوسين وممنوعين من الوصول إلى الأرض المقدسة، كما في قوله تعالى في سورة الشعراء على لسان الكليم (عليه السلام) مخاطباً فرعون: {وتلك نعمة تمنّها عليَّ أن عبّدت بني إسرائيل}([15])، وفي موضع آخر على لسان قوم فرعون قال تعالى: {وقومهما لنا عابدون}([16]). ويبدو من قوله تعالى على لسانهم أيضاً: {وإنا فوقهم قاهرون}([17])، إن الاستعباد الذي ابتلي به بنو إسرائيل هو عبارة عن هذه المقهورية، فعبّر القرآن الكريم عن القهر بالاستعباد. وورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متواتراً الإخبار باستيلاء الشجرة الأموية الملعونة والدولة المروانية الخبيثة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا بلغ بنو العاص ثلاثين اتخذوا دين الله دوَلاً وعباد الله خوَلاً"([18]).

وقد فسّر صاحب مجمع البحرين كلمة (خولاً) بالعبيد([19])، وعمّمها صاحب القاموس حتى على النعم والمواشي واستدل بقوله تعالى: {وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم}([20]). ومفاد هذا الحديث الشريف المتضمن للإخبار عن الغيب، هو أنه إذا بلغ عدد بني العاص ثلاثين جعلوا دين الله دولة لهم، واتخذوا عباد الله عبيداً وإماءً لهم.

ونلاحظ في هذا الحديث الذي هو من براهين النبوة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حدد بداية تحول الحكم الإسلامي من النحو الثاني إلى النحو الأول، أي من الولايتية إلى التملكية واغتصاب رقاب المسلمين ببلوغ بني العاص هذا العدد المشؤوم..!.

ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته القاصعة ضمن شرحه لمحنة بني إسرائيل وابتلائهم بالفراعنة "اتخذتهم الفراعنة عبيداً"، ثم فسّر قوله هذا بقوله: "فساموهم العذاب وجرّعوهم المرار، فلم تبرح بهم الحال في ذلّ الهلكة وقهر الغلبة، لا يجدون حيلة في امتناع ولا سبيلاً إلى دفاع". ويتحدث في هذه الخطبة أيضاً عن استيلاء الأكاسرة والقياصرة على بني إسرائيل وبني إسماعيل ويسمي هذه المحنة بالعبودية ويعرف هذه المقهورية بالربوبية القاهرة، رغم أنهم لم يُدعَوا إلى عبادة أحد، وما كانوا مبتلين إلاّ بالبعد عن مساكنهم الواسعة في الشام وأطراف دجلة والفرات، وبالطرد إلى صحراء قاحلة ليس فيها ماء ولا كلأ، فيقول (عليه السلام): "كانت القياصرة والأكاسرة أرباباً لهم يجتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق إلى منابت الشيح"([21]).

وقال (عليه السلام) في خطبة أخرى بعد أن أظهر سأمه وملالة قلبه من عصيان أهل العراق له ونفاقهم، وبعد أن أخبرهم بما سيلاقونه بعده نتيجة عملهم هذا معه، وهي حرمانهم من هذه النعمة العظمى التي بأيديهم وابتلاؤهم ومقهوريتهم تحت حكم بني أمية {يسومونكم سوء العذاب}([22])، وبعد بيان هذه الجهات يقول (عليه السلام): "وأيم الله، لتجدنّ بني أمية أرباب سوءٍ من بعدي"([23]). فعدل عن التعبير بالولاة إلى التعبير بالأرباب، وفي ذلك ما يفيد هذا المعنى أيضاً، وهو معنى متّحد مع مفاد الحديث النبوي السابق المتواتر بين الأمة.

وكذلك نرى سيد المظلومين (عليه السلام) يعد الانقياد لحكم دعي بني أمية نوعاً من العبودية، ويقول في جواب أرجاس أهل الكوفة عندما عرضوا عليه النزول على حكم بني عمه: "لا أعطينّكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد... وهيهات منّا الذلة؛ أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وجدود طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام"([24]).

فاعتبر (عليه السلام) طاعة الفجرة والانقياد لحكمهم عبودية محضة. كما قال السيد علي عليه الرحمة:

كيف يلوي إلى الدنيّة جيداً                 لسوى الله ما لواها([25])

فخضوع نفسه القدسية لله سبحانه هو من هذا الإباء، ففدى نفسه وما عنده من أجل حريته وتوحيد ربّه، وخط هذه السنة الكريمة لأحرار أمته، ونزّهها من شوائب العصبية المذمومة. ولهذا نجد التاريخ الإسلامي يسمي أصحاب النفوس الأبيّة السائرين على هذه السنة المباركة، الحاذين حذوه (عليه السلام) في التضحية بما عندهم أحراراً وأباة الضيم ويعدّهم غيضاً من فيض وقطرة من بحره الطاهر.

ونجد الإمام الحسين (عليه السلام) يقول للحر بن يزيد الرياحي عندما خلع طوق الرقّية وخرج عن أسر العبودية لآل أبي سفيان وأدرك شرف الحرية ونال الشهادة في فلك الركب المبارك، قال له: "أنت الحرّ كما سمّتك أمّك، أنت الحرّ في الدنيا والآخرة"([26]).

ويبدو من الأحاديث الواردة في تفسير الآية المباركة {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم}([27]).

وكذلك من الفقرات الأخيرة لدعاء الافتتاح([28])، أن الموعود بهذه الكرامة هو الإمام الثاني عشر أرواحنا فداه، وأن المقصود بالشرك بالذات الأحدية، هو المقهورية أمام الطواغيت والبيعة لهم والانقياد لحكمهم، كما يظهر ذلك من قول الإمام المهدي (عليه السلام): "... وليس في عنقي بيعة لطاغية زماني"([29]).

وهو ما يبدو منه الاختصاص به (عليه السلام)، بل يظهر من الروايات الواردة في تفسير الآية المباركة: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم}([30]) أن عبادة النصارى لأحبارهم ورهبانهم هي بمعنى الانقياد الأعمى لهم؛ فكما أن ألوهية السلطان ومعبوديته هي الأخرى عبارة عن هذا المعنى من الخضوع لمالكية السلطان وإرادته التحكمية، كذلك يكون الانقياد والخضوع الأعمى لرؤساء المذاهب والأديان عبودية محضة لهم عندما يؤتى بذلك على أنه من الدين.

والرواية المروية في الاحتجاج المتضمنة ذم التقليد الأعمى لعلماء السوء الساعين وراء الرئاسة الدنيوية تفيد هذا المعنى أيضاً. والفرق بين عبودية السلطان وعبودية علماء السوء والأحبار، أن النوع الأول مبني على القهر والغلبة والثاني مبني على الخدعة والتدليس، ولذا اختلف التعبير عن النوعين في الآيات والأخبار، حيث عبّرت النصوص عن النوع الأول بـ {عبّدت بني إسرائيل} و "اتخذتهم الفراعنة عبيداً"، وعن النوع الثاني بـ {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}. وفي الحقيقة إن منشأ الاستعباد في النوع الثاني هو تملك قلوب الأمة لا غير.

ومن هنا تظهر جودة استنباط بعض علماء الفن عندما قسم الاستبداد إلى استبداد سياسي وآخر ديني وربط كلاًّ منهما بالآخر، واعتبرهما توأمين متآخيين يتوقف أحدهما على وجود الآخر([31]).

وقد اتضح أيضاً أن قلع هذه الشجرة الخبيثة والتخلص من هذه الرقّية الخسيسة لا يكلفنا أكثر من الوعي والانتباه. وهو في النوع الأول أسهل منه في النوع الثاني الذي يصعب علاجه. وربما يؤدي أيضاً إلى صعوبة العلاج في النوع الأول أيضاً.

وواقعنا المتردي نحن الإيرانيين يجمع النوعين، وتختلط فيه الشعبتان، حيث شهد الاستبداد والاستعباد بكلا نوعيه، وسيأتي الكشف عن حقيقة الخلط بين الاثنين وتقوّم الشعبتين ببعضهما، وعن صعوبة علاج الشعبة الثانية وسراية هذه الصعوبة إلى الشعبة الأولى، وذلك في خاتمة الكتاب عندما نشرح قوى الاستبداد وطرق التخلص منها.

وبالجملة، فإن انقياد الشعب إلى الطواغيت وقطاع الطرق ليس ظلماً وحرماناً لنفس الشعب من الحرية التي هي أعظم المواهب الإلهية فحسب، بل هو بنص الكتاب المجيد وأوامر المعصومين (عليهم السلام) عبارة أخرى عن معبودية أولئك الجبابرة، والشرك بالذات الأحدية في المالكية والحاكمية بما يريد والفاعلية لما يشاء وعدم المسؤولية عمّا يفعل، إلى غير ذلك من الصفات الخاصة بالألوهية والأسماء القدسية الخاصة به جل شأنه.

كما أن الغاصب لهذا المقام لا يعتبر ظالماً للعباد وغاصباً لمقام الولاية من صاحبه فحسب، بل هو غاصب للرداء الكبريائي الإلهي وظالم للساحة الأحدية، وعلى العكس منه فالتحرر من الرقّية الخبيثة الخسيسة علاوة على كونه موجباً لخروج الأمة من النشأة النباتية والورطة البهيمية إلى عالم الشرف والمجد الإنساني، فإنه يعدّ من مراتب التوحيد ولوازم الإيمان بالوحدانية في مقام الأسماء والصفات الإلهية الخاصة، ولهذا كان استنقاذ حرية الأمم المغصوبة وتخليص رقابها من الرقّية المنحوسة، والإنعام عليها بالحرية من أهم مقاصد الأنبياء، إذ لم يكن غرض موسى الكليم وهارون (عليهما السلام) بنص الكلام المجيد {فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذّبهم}([32]) إلاّ تخليص رقاب بني إسرائيل من ذل عبودية الفراعنة، وما كان هدفهما إلاّ أخذ بني إسرائيل معهما أحراراً إلى الأرض المقدسة، وكانا قد ضمنا لفرعون دوام ملكه وبقاء عزّته على فرض إجابته لطلبهما ـ كما في الخطبة القاصعة لأمير المؤمنين ـ، لكن الذي أغرق الفراعنة هو عدم استجابتهم لهذا الطلب وتعقّبهم لبني إسرائيل لإرجاعهم إلى مصر؛ فأدى ذلك إلى غرقهم ونجاة بني إسرائيل. وقد عدّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته هذه تخليص بني إسرائيل وبني إسماعيل من رقّ الأكاسرة والقياصرة هدفاً من أهداف بعثة خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم)([33]) كما هو ثابت في أخبار المعصومين (عليهم السلام) ووثائق التاريخ الإسلامي.

أما مساواة الأمة مع شخص الوالي في جميع الحقوق والأحكام، وشدة اهتمام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحكام هذا الأساس لسعادة الأمة فيمكننا التعرف عليها من خلال سيرته الشريفة.

 

1ـ المساواة في الحقوق

ونستفيد ذلك من قصة بعث زينب ابنت الرسول حليّها وأدوات زينتها الموروثة لها من أمها خديجة (عليها السلام) ومن أجل فكاك أسر زوجها أبي العاص من أمير المسلمين حتى بكى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند رؤية حليّ خديجة، وعمد المسلمون إلى إسقاط حقوقهم. فانظر إلى أي حدّ كان النبي دقيقاً في هذا الأمر؟!([34]).

 

2ـ المساواة في الأحكام

وتتضح من أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتسوية فيما بين عمّه العباس وابن عمّه عقيل من جهة وسائر أسراء قريش من جهة ثانية حتى في شدّ وثاقهم، بحيث لم يكن هناك تمييز بينهما وبين باقي الأسرى، رغم أنهما كانا مجبورين على الخروج إلى الحرب([35]).

 

3ـ المساواة في القصاص والعقوبات

وذلك عندما كشف عن كتفيه، وهو على المنبر في الأيام الأخيرة من حياته واشتداد المرض عليه، طالباً إحضار سوطه أو عصاه الممشوقة ليقتص منه سوادة لادعائه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه عندما كان سوادة بخدمته في بعض أسفاره أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يضرب الناقة فوقعت العصا على كتف سوادة، وأخيراً عدل سوادة عن القصاص، وقنع بتقبيل خاتم النبوة المضروب على كتف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)([36]).

وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلما) أمام الأشهاد من أجل إحكام هذا الأساس الشريف حيث فرض المحال قائلاً: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"([37]).

فلنتأمل إلى أي حدّ قرّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمّته الحق بالمطالبة بالحرية؟.

ولأجل إحياء هذه السنة والسيرة المباركة ومحو بدعة التفضيل بالعطاء واسترداد القطائع وإقامة أساس المساواة بين المسلمين، خاض أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك الفتن الطاحنة في عصر خلافته، حتى طلب منه أكابر صحابته، أمثال عبد الله بن عباس ومالك الأشتر وغيرهما، أن يسير بالسيرة المبتدعة للسابقين عليه في العطايا والتقسيم، وذلك بتفضيل البدريين السابقين والمهاجرين الأوّلين وأمهات المؤمنين على اللاحقين والتابعين والإيرانيين الجديدي العهد بالإسلام!، فما كان منه إلاّ أن أسمعهم تلك الأجوبة الصلبة.

كما إن قضية الحديدة المحماة التي أحضرها الإمام (عليه السلام) في جواب طلب أخيه عقيل منه صاعاً من الحنطة([38])، وعتابه لولده الحسين سيد الشهداء (عليه السلام) ذلك العتاب المكمّل لمقام العصمة، الذي وجّهه إليه لما طلب مدّاً من عسل من بيت المال ليطعم به ضيوفاً كانوا عنده([39])، والذي أبكى معاوية لما سمعه على ما به من حقد وعداوة، وموقفه من ابنته لما أرادت استعارة عقد لؤلؤ كان في بيت المال المسلمين عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام([40])، إلى غير ذلك من المواقف المدوّنة في كتب السير والتاريخ عن حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام)، أمور تّخجل كل ادعاء بالعدل والقسط والمساواة، وما كانت تلك المواقف إلاّ حفظاً لهذا الركن العظيم ـ المساواة ـ وخروجاً عن عهدة المسؤولية المترتبة عليه.

ومن أجل إقامة هذه السنة المباركة واتباعاً لهذه السيرة المقدسة المأخوذة عن الأنبياء والأوصياء في هذا العصر الأخير؛ عصر التمدن والسعادة، عصر التنوّر واليقظة وانتهاء دور الأسر والسير القهقرائي للمسلمين إن شاء الله تعالى([41])، نهض العلماء الربانيون والفقهاء الروحانيون رؤساء المذهب الجعفري لتخليص رقاب المسلمين من ذل الاسترقاق وإنقاذ حريتهم المغتصبة وحقوقهم المسلوبة، وتبعاً للسيرة المقدسة وطبقاً للمبدأ المقرر (ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه)، عملوا على تحويل السلطة الجائرة من النحو الأول، الذي تسبب في كثير من الدمار وجعل أصل الدولة الإسلامية مشرفاً على الانقراض، إلى النحو الثاني الحاسم لأكثر مواد الفساد والمانع لاستيلاء الكفار على بلاد المسلمين، وبذلوا ما يلزمهم من المهج وقاموا بالجهاد من أجل حفظ بيضة الإسلام.

وحيث كانت يقظة الغيورين من المسلمين من أجل تحرير رقابهم من استرقاق الجائرين وتحقيق المساواة مع الحاكم، وتكريس حق الاشتراك معه في جميع قدرات البلاد وإمكاناته، تمثل الوسيلة الأكبر والأقوى لجدهم واجتهادهم في هذا المجال، فقد رأت شعبة الاستبداد الديني الخبيثة وباسم حفظ الدين أن من الواجب عليها، بمقتضى وظيفتها المتكلفة بالاحتفاظ بشجرة الاستبداد الخبيثة، عدم الإصغاء للخطاب الشريف {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}([42])، والاقتداء بالمخاطبين الأوائل بالقرآن الذين نبذوا كلام الله وراء ظهورهم. وأخذت تقاوم بكل ما في وسعها هذين الأصلين ـ الحرية والمساواة ـ اللذين تترتب عليهما حفظ حقوق الأمة وتحديد مسؤولية الولاة وغير ذلك. وعملت على تنفير وصرف قلوب الشعب عنهما وذلك بإظهارهما بأشنع الصور.

فالحرية التي تعني تحرير الأمة من ربقة الجائرين، وهي من أعظم المواهب الإلهية على هذا الإنسان البائس، وكان اغتصابها في الإسلام من بدع الشجرة الملعونة معاوية وابن العاص، وكان استنقاذها من أهم مقاصد الأنبياء والأوصياء وقادة الشعوب، صوّروها في عداد المستحيلات واعتبروها أساساً لما هو غير شرعي من الأمور، كعدم ارتداع الملاحدة عن إظهار المنكرات وإشاعة الكفريات وتجرؤ المبتدعين في إظهار بدعهم وزندقتهم، وعدّوا من لوازم الحرية خروج النساء المسلمات سافرات الوجوه وغير ذلك مما ليس له ربط بقضية الاستبداد والدستور. مع أن الدول المسيحية، سواء كانت استبدادية كروسيا أو شوروية كفرنسا وإنجلترا، إنما لم تمتنع عن تلك الأعمال لأنها غير محرمة في أديانهم ومذاهبهم، لا لأنهم استبداديون أو شورويون.

والمساواة في جميع الحقوق التي عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على استحكامها كأساس لسعادة أمته، حتى جرد كتفيه المباركين بتلك الحالة من المرض لاستيفاء قصاص ادّعائي، والتي تحمّل أمير المؤمنين (عليه السلام) كل تلك المحن والمصائب من أجل تطبيقها في مواردها التي كان منها التسوية فيما بين البدريين والإيرانيين الجديدين عهداً بالإسلام، حتى نال كأس الشهادة في محراب العبادة؛ هذه المساواة صورها الاستبداديون بصورة مساواة المسلمين مع أهل الذمة في أبواب النكاح والميراث والقصاص والديات. وخبطوا أكثر فجعلوا من مقتضياتها المساواة بين أصناف المكلفين كالبالغ وغير البالغ والعاقل والمجنون والصحيح والمريض والمختار والمضطر والموسر والمعسر والقادر والعاجز، وغير ذلك مما كان أساساً لاختلاف التكاليف والأحكام، وبعيداً عن قضية الاستبداد والشورى كبعدنا عن الفلك الأطلس([43]).

وبالجملة فإن رأس مال سعادة الأمة وحياتها وأساس محدودية السلطة والمسؤولية المقدمة لها، وحفظ حقوق الشعب، كل ذلك ينتهي لهذين الأصلين، الحرية والمساواة، ولذا ترى شعبة الاستبداد الديني صبغت هاتين الموهبتين العظيمتين بهذه الصبغة القبيحة. ولكن "لا يمكن حجب أشعة الشمس، كما أن محاولة سد النيل بالمسحاة عمل أحمق"([44]).

إن الشعب الإيراني، وحتى لو افترضناه أعمى وأصم وجاهلاً بمقتضيات الدين وضرورات المذهب، وغافلاً من المطالبة بحقوقه وبحريته من الرقّية الملعونة وبالمساواة مع الغاصيين، وذاهلاً عن معنى حياته قانعاً بكونه مسخّراً لرفاهية الطفيليين مع المعممين والمتطربشين، ومهما بلغ به الحال من الجهل بمدى علاقة تلك الأمور بأساس الاستبداد والشوروية، إلا أنه مع هذا كله يفهم جيداً أن الغاية من البطولات التي أبداها العقلاء والعلماء والغيورون على هذا الوطن بطبقاتهم من العلماء والأخيار والتجار هي لاستنقاذ الحرية والمساواة لا لإرسال نسائهم إلى السوق بلا حجاب، ولا للتواصل مع اليهود، ولا للتسوية بين أمثال البالغ وغير البالغ في مجال التكاليف، ولا لبسط يد الفسقة وأهل البدع في الجهر بالمنكرات وترويج أسباب الكفر.

فأئمة المذهب ورؤساؤه لا يأمرون إلاّ بما يحفظ بيضة الإسلام ويصون البلاد الإسلامية، ويصرحون بأن مخالفة هذه الأحكام هي بمثابة إعلان الحرب على صاحب العصر والزمان (عليه السلام).

وهذا الشعب يعرف جيداً هذه الفئة من الجبابرة والطواغيت الساعين بسيرتهم إلى محو أحكام الشريعة المطهرة، والمروّجين لأنحاء الفسق والفجور في البلاد، ويعرف أنهم لا يهدفون بأعمالهم الجنكيزية الشنيعة إلاّ صيانة مقام مالكية الرقاب وفاعلية ما يشاء وحاكمية ما يريد للحاكم الجائر، وعدم المسؤولية عمّا يفعل، كما أنه يعرف باتصافنا نحن عبيد الظلمة وحاملي شعبة الاستبداد الديني بالأوصاف المذكورة في رواية الاحتجاج لعلماء السوء ولصوص الدين ومضلّي ضعفاء المسلمين، حيث ورد في آخرها قوله (عليه السلام): "أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد ـ لعنه الله ـ على الحسين"([45])، ويعلم بانطباق مفاد الآية: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينُنّه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون}([46]) علينا، وإننا لا نحصل في النهاية إلاّ على الفضيحة الأبدية والخزي في الدارين: {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً}([47]).

ومن الأفضل أن أمسك عنان القلم عن شرح هذه الفضيحة التي مهما كانت فإنها تعود على الجميع بالضرر، وأحيل الكشف عن حقيقة هذه المغالطات إلى حينه، وأختم هذه المقدمة بذكر فهرست مواضيع الفصول الخمسة للكتاب، وهي على النحو التالي:

الفصل الأول: في حقيقة السلطنة المجعولة في الدين الإسلامي والشرائع الأخرى وعند الحكماء والعقلاء غير المتديّنين في العالم قديماً وحديثاً، وكونها من النوع الثاني ـ الولايتية ـ وأن تحولها إلى النوع الأول ـ المالكية ـ هو من بدع ظالمي الأمم وطواغيت الأعصار.

الفصل الثاني: في أنه هل يجب علينا، في عصر الغيبة الذي قصرت فيه أيدينا عن التمسك بمقام العصمة، وأصبحت الولاية والنيابة العامة في إقامة هذه الوظائف مغتصبة، وانتزاعها من الغاصبين غير مقدور لنا أيضاً، هل يجب علينا في مثل هذا الظرف العمل على تحويل السلطة من النوع الأول المتصف بالظلم والاغتصاب إلى النوع الثاني الذين هو عبارة عن الحد من الظلم والتسلط بالقدر الممكن؟ أو إن مغصوبية المقام موجبة لسقوط التكليف؟.

الفصل الثالث: في أنه إذا ما ثبت لزوم التقييد والتحديد المذكور، فهل تتعين هذه الدستورية الرسمية المتقومة بالأصلين المذكورين؟ وهل وسيلة التحديد منحصرة بها؟ وهل هي خالية من المحذور والإشكال؟.

الفصل الرابع: في ذكر ودفع بعض الوساوس والمغالطات.

الفصل الخامس: في بيان وظائف النواب، ومشروعية عملهم، وشرائط ذلك.

الفصل الأول

حقيقة السلطة المجعولة في الدين الإسلامي

 

وهو في بيان الأمر الأول، والكلام فيه يقع في مقامين:

الأول: في بيان مبدأ تحديد اختيارات السلطنة والحكومة المجعولة والذي نصت عليه جميع الشرائع والأديان، وذلك من خلال إقامة الوظائف والمصالح النوعية.

الثاني: في الكشف عن درجة هذا التحديد وبيان حقيقته.

أما الأمر الأول: فقد تبين لك من المقدمة أن الهدف من تأسيس الحكومة وتنظيم القوى ووضع الخراج وغير ذلك كله، هو حفظ وتنظيم البلاد وتربية الشعب والاهتمام بأمر الرعية، لا لإشباع شهوات وملذات الذئاب، ولا لأجل استعباد رقاب الشعب استجابة لنزوة قاهرة. فمما لا شك فيه أن السلطة التي صرحت بها الأديان والشرائع وأقرها كل عاقل ـ سواء كان المتصدي لها غاصباً أو محقاً ـ هي عبارة عن تحمل الأمانة والمسؤولية صيانةً لنظام الأمة، فبالسلطة تقام الحدود والوظائف التي تعنى بالمحافظة على مصلحة الأمة، ولا تعني القهر والملوكية والتحكّم بالبلاد والعباد على أساس الهوى والنزوات. الحقيقة إن السلطة هي من قبيل تولية بعض الموقوف عليهم أمر تنظيم وحفظ موقوفة مشتركة وإيصال كل حق إلى صاحبه، لا من قبيل التملك والتصرف الشخصي الدائر مدار قبول المتصدي وأهوائه ورغباته النفسية. ومن هنا عبّر أئمة وعلماء الإسلام عن السلطان بالولي والوالي والراعي، وعن الناس بالرعية.

وعلى هذا الأساس فإن حقيقة السلطة هي الولاية على أمر النظام، ونصب السلطان موقوف على أمر من المالك الحقيقي والولي بالذات الذي بيده أمر الولاية يعطيها من يشاء. وتفصيل الموضوع موكول إلى مباحث الإمامة.

ولما علمت أن قهر وتسخير رقاب الشعب في ظل الحكومة المستبدة من أشنع أنواع الظلم والطغيان والاستعلاء في الأرض، ويعد غصباً لرداء الكبرياء الإلهي ومنافياً لأهم ما قصده الأنبياء (عليهم السلام)، إذن فليس بالإمكان بتاتاً احتمال الإهمال والسكوت عن قلع مثل هذه الشجرة الخبيثة من قبل الأديان السابقة، ويظهر من قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعةً أمراً حتى تشهدون}([48]) حكاية عن لسان ملكة سبأ، أن قومها كانوا يتمتعون بحكومة شوروية، رغم كونهم يعبدون الشمس من دون الله، ونستفيد من قوله تعالى: {فتنازعوا أمرهم بينهم وأسرّوا النجوى}([49]) الذي يحكي قصة تشاور الفرعونيين في أمر النبي موسى الكليم وأخيه هارون على نبيّنا وآله وعليهما السلام، كيف أنهم أنهوا مباحثاتهم العلنية بهذا الخصوص بمباحثة سرية. فالدولة الفرعونية تتعامل بطريقتين مختلفتين فهي ـ رغم ادعائها الألوهية ـ كانت قائمة على أساس الشورى في علاقتها مع الأقباط من قوم فرعون، ولكنها في الوقت نفسه استعبادية وظالمة بالنسبة إلى أسباط بني إسرائيل، والآية الكريمة: {يستضعف طائفة منهم}([50]) تؤكد هذا المعنى أيضاً. وفي الوقت الحاضر نجد معاملة الحكومة الإنجليزية هي الأخرى عنصرية ومزدوجة أيضاً؛ فهي حينما تتعامل مع الشعب الإنجليزي نجدها شوروية وتتسم بالمسؤولية، وذلك لكونه شعباً واعياً، بينما تتعامل مع الهنود والشعوب الإسلامية وغيرهم بطريقة غاشمة مستبدة وكأنها تتعامل مع أسرى، وهذا يرجع إلى غفلة هؤلاء المستضعفين واستغراقهم في نومٍ عميق.

على كل حال، فإن حقيقة السلطة من وجهة نظر الإسلام وجميع الشرائع والأديان السابقة تعود إلى باب الأمانة وولاية أحد المشتركين في الحقوق الإنسانية العامة، من دون أن تكون هناك أية مزيّة للشخص المتصدي.

إن تحديد السلطة وتقييدها لئلاّ تؤول إلى الاستبداد والقهر هو من أظهر ضروريات الدين الإسلامي، بل جميع الشرائع والأديان. ومن الواضح أن كل مظاهر الظلم والعدوان والاستبداد قديماً وحديثاً تستند إلى طغيان الفراعنة والطواغيت وتزويرهم للحقائق.

وبموجب الحديث النبوي المتواتر بين الأمة ـ الذي ذكرناه آنفاً ـ وغيره من الأخبار الغيبية التي وردتنا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، اتضح لنا أن بداية تحول السلطة الإسلامية من النوع الثاني المرتكز على أساس الولاية إلى النوع الأول ـ أي السلطة الاستبدادية ـ هو استيلاء معاوية على الحكم وبلوغ أغصان الشجرة الملعونة في القرآن الكريم إلى العدد ثلاثين، حيث ورثت السلطة الاستبدادية([51]).

أما الأمر الثاني: فقد تبين مما قلناه سابقاً أن الأساس الذي يستند إليه مذهبنا نحن الإمامية هو قولنا بالعصمة في الولاية على سياسة أمور الأمة، ولا يتوقف هذا التحديد عند رفع الاستبداد، بل ينتهي إلى درجات أخرى سبق وأن أشرنا إليها بصورة إجمالية.

وأما بمقتضى مذهب أهل السنة حيث لم يشترطوا في الوالي مطلقاً أن يكون معصوماً، ولا أن يكون منصوباً من قبل الله سبحانه وتعالى، بل يكفي فيه إجماع أهل الحل والعقد، فإن درجة الحد من الاستبداد الناتجة عن هذا الرأي، وإن كانت لا تبلغ ما يقتضيه مذهبنا، إلاّ أن عدم تخطّي الوالي الكتاب والسنة النبوية هو من الشروط التي اعتبروها لازمة الذكر في نفس عقد البيعة عندهم. وأقل عمل ناشئ عن ميل أو هوىً يعدونه مخالفاً للمنصب، واتفقوا على التصدي حينئذٍ لعزله.

وعلى هذا الأساس فإن السلطة الإسلامية لابد وأن تتحدد بعدم الاستئثار والاستبداد كحد أدنى، مع غض الطرف عن أهلية المتصدي وما يلزمه من العصمة وغيرها من الأمور التي يختص بها مذهبنا، فإن هذا هو القدر المتيقن بين الفريقين والمتفق عليه من قبل الأمة. ولا ريب أنه من ضروريات الدين الإسلامي.

ولما كان حفظ هذه الدرجة المتيقنة بين الأمة مما يمكن القيام به عادة بحسب القوة البشرية، وليس كما هي عليه سائر المراتب التي يختص بها مذهبنا ويتعذر حفظها إلاّ مع العصمة، لذلك فإن الحفاظ عليها واجب بأي شكل أمكن، خاصة إذا كان المتصدي غاصباً، فحينئذ لا يحق لأي مسلم يظهر الشهادتين أن ينكر وجوب ما قلناه، إلاّ أن يخرج من ملتنا ويدين بغير ديننا.

الفصل الثاني

وظيفة المسلمين السياسية في عصر الغيبة

 

غرضنا من هذا الفصل هو تنقيح الأمر الثاني، ويحسن بنا تقديم ثلاث مقدمات هي:

 

المقدمة الأولى:

من المعلوم لدى الجميع في باب النهي عن المنكر، والذي يعد من ضروريات الدين، أنه لو ارتكب شخص ما عدة أعمالٍ منكرة في آن واحد فإن ردعه عن كل منكر من هذه المنكرات تكليف مستقل لوحده، ولا يشترط فيه التمكن من ردعه عن سائر ما ارتكب من المنكرات.

 

المقدمة الثانية:

من جملة الثوابت الموجودة في مذهبنا نحن الإمامية هو أنه في عصر الغيبة ـ على مغيّبه السلام ـ هناك ولايات تسمى بالوظائف الحسبية لا يرضي الشارع المقدس بإهمالها، حيث نعتقد أن نيابة فقهاء عصر الغيبة قدر متيقن فيها وثابت بالضرورة حتى مع عدم ثبوت النيابة العامة لهم في جميع المناصب، إذ إن الشارع المقدس لا يرضى باختلال النظام وذهاب بيضة الإسلام. ومن جهة أخرى نجد أن اهتمام الشارع بحفظ البلدان الإسلامية وتنظيمها أكثر من اهتمامه بسائر الأمور الحسبية؛ ومن هنا يثبت لدينا بما لا شك فيه نيابة الفقهاء والنواب العموميين في عصر الغيبة في ما يتعلق بإقامة الوظائف المذكورة.

 

المقدمة الثالثة:

فيما يخص الولاية على الأوقاف العامة والخاصة وغيرها، فقد ثبت لدى كل علماء الإسلام أن غاصباً لو وضع يده على بعض الموقوفات بشكل لا يمكن معه رفع يده رأساً، إلاّ أنه يمكن الحد من تصرفاته وصيانة جزء من تلك الموقوفة المغصوبة من خلال القيام ببعض الترتيبات والخطوات العملية وتشكيل هيئة عليا للمراقبة، حينئذ يكون القيام بهذه الترتيبات والخطوات أمراً واجباً، وهذا مما لا يختلف فيه المفكرون الدهريون فضلاً عن العلماء المتشرعين.

وبتمام هذه المقدمات الثلاث لا يبقى هناك أدنى شبهة أو ريب في وجوب تحويل السلطة الجائرة من النوع الأول إلى الثاني مع تعذر القيام بما هو أكثر من ذلك، حيث تبين لك أن النوع الأول يعد اغتصاباً لرداء الكبرياء الإلهي للساحة الإلهية المقدسة، كما هو اغتصاب للرقاب والبلاد وظلم للعباد، بخلاف النوع الثاني حيث إن الظلم والاغتصاب يطال منصب الإمام المقدس خاصة دون الظلمَين والاغتصابَين الآخرَين.

يتضح لنا مما سبق أن عملية تحويل السلطة الجائرة تتم من خلال تقييدها وتحديدها والردع عن ذينك الظلم والاغتصاب، وليس كما يتوهم البعض أنه عبارة عن استبدال ظلم بظلم آخر أقل منه حدة ووطأة. وبعبارة أوضح أن المعاملة والتصرف على نحو الطريقة الثانية تقتصر على القدر الذي يوفّر للبلاد النظام والاستقرار والصيانة، وأما التجاوزات على الطريقة الأولى فهي كثيرة ومضاعفة ولا تقف عند حد، والهدف من استبدال طريقة الحكم منع هذه التجاوزات والردع عنها.

وبعبارة أخرى، إن التصرف على الطريقة الثانية هو نفس التصرف الولائي الذي قلنا فيما سبق إن الولاية فيه ثابتة لأهلها شرعاً، ومع عدم الأهلية يكون عمل المتصدي من قبيل مداخلة غير المتولي الشرعي في أمر الموقوفة. وهنا يمكن العمل على صيانة الموقوفة بواسطة هيئة عليا تأخذ على عاتقها مهمة الإشراف والنظارة، ومع صدور الإذن فيها عمّن له ولاية الإذن يخرج التصرف فيها عن دائرة الغصب وعنوان الظلم لمقام الإمامة والولاية ويكون التصدي حينئذ شرعياً، مثاله مثال المتنجس بالعرض الذي تم تطهيره بسكب الماء عليه. وأما التصرفات على الطريقة الأولى فهي على العكس من ذلك ظلم قبيح بالذات ولا يمكنها أن تكتسي حلة المشروعية بأي حال من الأحوال، ولا يجوز إصدار الإذن في ذلك على الإطلاق، وهي من أعيان النجاسات التي لا تطهر ما دامت باقية.

إن تبديل طريقة الحكم يراد به تعيين هيئة مشرفة لصيانة الموقوفة المغصوبة، وتحديد صلاحيات الغاصب في التصرف بها على ضوء ما يصلحها، ورفع ملكيته المدعاة واستبداده، حيث يعد اغتصاباً مضاعفاً، وإلزامه بالعمل بمقتضى الوقف، ومنعه عن التمادي في الغي والضلالة، وهذا من قبيل إزالة عين النجاسة عن المحل المتنجس.

ومن المناسب هنا أن ندرج تلك الرؤيا الصادقة التي رأيتها أنا أقل خدّام الشرع، والمتضمنة هذا التشبيه. فقبل عدة ليالي وفي عالم الرؤيا وفدت على المرحوم آية الله الحاج الميرزا حسين الطهراني (قدس سره)([52]) نجل المرحوم الحاج  الميرزا خليل طاب رمسه. فأخذت بأطراف ردائه المبارك، سائلاً إياه مسائل عديدة، فامتنع عن الإجابة عن الأسئلة المختصة بعالم الموت ونشأة البرزخ والآخرة، وأجاب عن بقية المسائل.

وفي معرض ردّه على بعض الأسئلة كان هذا العالم الجليل يجيب نقلاً عن لسان الإمام الحجة المنتظر (عج)، وبعد أن أتم حديثه طرحت عليه السؤال التالي:

ماذا قال الإمام الحجة (عج) فيما يختص بمواقفكم إزاء المسألة الدستورية؟

فكان ملخص قول الإمام الحجة (عج) هو أن الدستورية اسم جديد لموضوع قديم، ثم أورد مثالاً بهذا الخصوص لا تسعفني ذاكرتي باستحضاره، ثم قال المرحوم الميرزا الطهراني لقد قال الإمام (عليه السلام): إن مثل الدستورية مثل تلك الأمة السوداء التي تلوثت يدها فأجبروها على غسلها.

ولا شك أن المثال الذي أورده الإمام (عج) مطابق للواقع تماماً، فهو سهل وممتنع في آن واحد، ولم يكن ليخطر ببال أحد، وهناك قرائن عديدة يمكن القطع من خلالها بصحة هذه الرؤيا وصدقها، منها سواد الجارية حيث تدل دلالة واضحة على مغصوبية أصل التصدي، وأما تلوث اليد ففيه إشارة إلى الغصب المضاعف، وحيث كانت الدستورية مزيلة له، لذا شبهها الإمام المنتظر (عج) بأنها عملية غسل وتنظيف ليد المتصدي الغاصب من القذارة التي عرضت عليها.

ومن هنا نخلص إلى القول بأن الحفاظ على القدر المتيقن فيما يختص بتحديد السلطة الإسلامية وتقنينها، والذي يعدّ من ضروريات الدين الإسلامي ومما تتفق عليه الأمة الإسلامية بأجمعها، هو بحد ذاته من أهم الواجبات ومن أعظم نواميس الدين المبين ـ فيما إذا كان المنصب مغصوباً كما هو الحال في إيران ـ، أضف إلى ذلك أن هذا الأمر هو من ضروريات مذهبنا نحن الشيعة الإمامية، كما أنه يمكن إدراجه تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ نفوس المسلمين من الهلكة وأموالهم من التلف وأعراضهم من الهتك، ودفع ظلم الظالمين عنهم، وغير ذلك من العناوين.

وبغض النظر عن كل ما قلناه، فإن جميع السياسيين والمطلعين على أوضاع العالم من المسلمين وغيرهم يتفقون على هذا المعنى، وهو أن السبب الرئيس لرقي الإسلام وتقدمه في الصدر الأول بتلك السرعة المدهشة وفي أقل من نصف قرن، يكمن في كون الحكومة الإسلامية حكومة عادلة تعمل بمبدأ الشورى وترفع شعار الحرية وتسويّ بين آحاد المسلمين وبين الخلفاء وبطانتهم في العطاء والقانون، كما أن اختفاء هذه الصفات اليوم يعدّ السبب الرئيسي لانكسار المسلمين وتفوق الشعوب المسيحية عليهم حيث استولوا على معظم بلدانهم، وهم الآن بصدد احتلال ما تبقّى منها؛ فعامل الانحطاط هو الآخر يعود إلى خلود المسلمين إلى ذل الأسر والاستعباد، ورزوحهم تحت نير حكمٍ استبدادي موروث عن معاوية، واستئثار الحكام بالحكومة والسلطة التي نصت عليها الشريعة الإسلامية.

وما لم يتنبّه المسلمون من سكرتهم وغفلتهم فإنهم سيظلون كما في السابق رازحين تحت ذل عبودية فراعنة الأمة وناهبي ثروات البلاد، وما هي إلاّ أيام قلائل حتى يؤول بهم الأمر بعدها إلى ما آل إليه المسلمون في أفريقيا وأغلب بلدان آسيا وغيرها من الدول، حيث سيفقدون نعمة الشرف والاستقلال والحكم الإسلامي والكرامة الوطنية، وسيصبحون أسارى في ظل حكومة النصارى، وما هي إلاّ أيام تتصرم ويكونون بعدها كسكان الأندلس وغيرها من البلاد، يتنصرون بعد إسلامهم وتصبح مساجدهم كنائس وآذانهم ناقوساً ويستبدلون شعائرهم الإسلامية بأخرى نصرانية، بل وحتى لغتهم سيستعيضون عنها بأخرى، وسيدنّس النصارى الحرم المنور لثامن الأئمة ـ وقى الله المسلمين ذلك ولا أرانا إياه ـ. وهناك جملة من القرائن والشواهد تدلل على قرب وقوع هذا الأمر، فقد تحققت جميع مقدماته والتي لابد وأن تنتهي إليه([53]).

ومن هذه القرائن أن كلاًّ من الجارتين الجنوبية والشمالية([54]) تقاسمتا خريطة البلد فيما بينهما. وعلى هذا الأساس فإن تحويل السلطة الجائرة الغاصبة من سيرتها الظالمة إلى سيرة عادلة سوف يحفظ للإسلام بيضته، ويصون حوزة المسلمين من الكفار، بالإضافة إلى ما ذكرنا من منجزات أخرى، ولذا فإن هذا العمل من أهم الفرائض التي يجب القيام بها.

جمع الله على الهدى كلمتنا وعلى التقى شملنا، ولا جعلنا من الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، بمحمد وآله الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين.

 

الفصل الثالث

هل يوجد بديل عن الحكم الدستوري؟

وهل هو ـ أي الحكم الدستوري ـ خالٍ من الأشكال؟

 

وهذا الفصل مسوق للتحقيق في الأمر الثالث، وتوضيحه يستلزم بيان ثلاثة مطالب:

الأول: كما علمت فإن حقيقة السلطة الإسلامية هي الولاية على مجريات سياسة أمور الأمة ومعرفة حدودها ومقوماتها، وبما أنها تعتمد مساهمة جميع أفراد الشعب في أمور البلاد كأصل مسلّم به، لذا فهي تكرّس مبدأ التشاور مع عقلاء الأمة وهو ما يسمى بالشورى الشعبية العامة، ولا تنحصر بالتشاور مع بطانة الوالي وخاصته ومقرّبيه، وقد نص القرآن الكريم على مبدأ الشورى وثبّتته السيرة النبوية المقدسة كأحد أهم مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، وبقيت هذه السنة محفوظة إلى أن تولّى معاوية أمر الخلافة. والآية الكريمة: {وشاورهم في الأمر}([55]) تدل دلالة واضحة على هذا المعنى حيث تخاطب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو العقل الكل ومعدن العصمة، وتأمره بالتشاور مع عقلاء الأمة. والظاهر من الآية بالضرورة أن مرجع الضمير يعود على جميع أفراد الأمة، من المهاجرين والأنصار قاطبة. وأما تخصيصها بالعقلاء وأرباب الحل والعقد فهو من باب الحكمة ودلالة القرينة على المقام، لا من باب الصراحة اللفظية ودلالة الكلمة في الأمر؛ ذلك لأن الكلمة تفيد العموم، وتدل على أن ما يتشاور بخصوصه هي الأمور السياسية، وأما الأحكام الإلهية فإنها لا تدخل في نطاق هذا العموم، وخروجها عنه من باب التخصص لا التخصيص([56]).

وبالرغم من أن الآية الكريمة {وأمرهم شورى بينهم}([57]) لا تدل في نفسها على غير رجحان الشورى، إلاّ أن دلالتها هذه ظاهرة في كونها تخص الأمور النوعية العامة ووضعيتها، وأنه لابد من العمل بمبدأ الشورى في مثل هذه الأمور.

وإذا ما راجعنا كتب السيرة لرأينا أن سيرة الرسول المقدسة مليئة بالشواهد الدالة على تأييده ودعمه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمبدأ الشورى والعمل به، فكثيراً ما كان يردد على أصحابه بقوله: "أشيروا عليَّ أصحابي".

ففي غزوة أحد مثلاً كان رأي الرسول وجماعة من أصحابه هو البقاء في المدينة المنورة وعدم الخروج منها، ورغم أن النتائج أسفرت فيما بعد عن صحة وسداد رأي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن بما أن آراء الأكثرية استقرت على الخروج فقد وافقهم الرسول على ما أرادوه وتحمل من أجل ذلك ما تحمل من المصائب الجليلة([58]).

وأما الخلفاء الأوائل فقد أبقوا على هذه السنة وحافظوا عليها، مما أدى بالنتيجة إلى تلك الانتصارات الباهرة التي حقّقوها في الصدر الأول من الإسلام.

وفي صفين بعد أن عدّ أمير المؤمنين حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي خاطب أصحابه وكانوا يربون على الخمسين ألف نفر قائلاً:

"فلا تكلّموني بما تُكَلّم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حقٍ قيل لي، ولا التماس إعظام لنفس، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل. فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل"([59]).

وجدير بنا نحن الذين ندّعي التشيع أن نتمعن قليلاً في مفاد هذا الكلام المبارك ونتأمّله سعياً منا لأدراك الواقع وبلوغ الحقيقة وإلغاء الأغراض النفسية، وأن نعي عمل الإمام في رفع هيبة الخلافة وجلال مقامها عن قلوب الأمة ومنحها أعلى درجات الحرية وترغيب الناس في إبداء أي اعتراض أو مشورة، وكيف أنه عدّ المشورة في عداد حقوق الوالي على الرعية أو الرعية عليَّ الوالي، ونمعن النظر في قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "أشيروا عليّ أصحابي"، لنتبين السر في ذلك كله. فهل الاهتمام بأمر الشورى من قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل أن لا يقع في الخطأ وهو على ما هو عليه من درجة العصمة الرفيعة التي تغنيه عن العالم بأجمعه فيما يتعلق بإصابة الأمر الواقع؟! حاشاهم الله عن ذلك.

إذن للحيلولة دون وقوع الاعتداءات المتعمدة، كحد أدنى، يتحتم علينا أن نصون هذا الأصل الذي يتكفل لنا السعادة والخير، وإذا كان لابد من العمل بمبدأ الشورى وتكريس الحرية والمساواة بالنسبة للحكومة الشرعية القائمة على أساس الولاية احترازاً وتنزيهاً من حصول شبه ظاهري مع الحكومات المستبدة والطاغوتية، فإن هذا الكلام يتعين بدرجة أكثر فيما إذا كان المتصدي غاصباً لمسند الخلافة، وإذا كان الغرض من ذلك إرشادياً ولتعليم الأمة ولأجل أن يكون مثالاً يحتذى به أو معيناً لمسيرة الولاة والقضاة والعمال، ولغرض إلزامهم بالسير على هذا النهج وعدم التخلف عن هذا الدستور العملي، فيلزمنا إذن تعلّم هذا الدرس البليغ حتماً.

وعلى أية حال، فإن من دواعي الأسف والحزن أن نكون نحن عبدة الظلمة والرافعين للواء الاستبداد الديني بمنأى عن مداليل الكتاب والسنة وأحكام الشريعة وسيرة نبيّنا وأئمتنا؛ فبدلاً من أن تكون الشورى الشعبية شعارنا الذي يجب أن نرفعه، وبدلاً من أن نقول فيها: {هذه بضاعتنا ردّت إلينا}([60])، حسبناها مخالفة للإسلام، وكأننا لم نقرأ تلك الآية الواضحة الدلالّة والتي مرّت علينا آنفاً، ولم يخطر مفادها في أذهاننا، أو لعلنا وجدناها منافية لأهوائنا ومشتهياتنا وما في أنفسنا من نزعة الاستبداد والاستعباد فأصبحنا نعيد إلى الأذهان حكاية الذين ذكرهم القرآن الكريم حيث يقول عنهم: {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتابَ الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون}([61]).

ثانياً: إننا اليوم لا نفتقد للعصمة فحسب، بل لملكات التقوى والعدالة والعلم عند المتصدين، وأكثر من ذلك توجد في المتصدين سمات وخصائص تناقض تماماً ما ينبغي أن يكون عليه المتصدون والولاة، وهذا ما نشهده جيداً في الوقت الحاضر، وكل ذلك يحتم علينا الإصرار والتأكيد على ضرورة تحديد وتقنين السلطة الإسلامية بتلك الدرجة المسلّم بها والتي عرفتها ـ عزيزي القارئ ـ، وهو ما تتفق عليه الأمة، ومن ضروريات الدين الإسلامي، بالإضافة إلى أن الحفاظ على مبدأ الشورى الذي نص عليه الكتاب والسنة المقدسة لا يتأتّى إلاّ بتنصيب مسدد ورادع خارجي يقوم قدر الإمكان مقام القوة العاصمة الإلهية، أو تحل على الأقل محل القوة العقلية وملكة العدالة والتقوى، ولو ترك هذا الأمر وطبع المتصدين لكان تطبيقه من المستحيلات وكان من قبيل توصية الذئب بالشاة خيراً، أو كمن استجار من الرمضاء بالنار!

ومن هنا تتضح لنا أهمية تنصيب الهيئة المسددة بالشكل الذي قلناه سابقاً. ومن الواضح أيضاً أن هذه القوة الخارجية المسددة والرادعة إنما تكون مؤثرة ومفيدة وفاعلة وقائمة مقام القوة النفسية إذا كان المتصدون يشكلون القوة التنفيذية ويكونون خاضعين للقوة المسددة والعلمية وتابعين لها، ولا تكون هذه القوة المسددة قوية في رأيها وحازمة في قراراتها بحيث لا يمكن مخالفتها إلاّ عندما تكون الدولة والسلطة مبتنية على القانون، ومتخذة طابعاً رسمياً لها. كما ينبغي لعقلاء الأمة أن يكونوا على يقظة وحذر ويتصرفوا بحكمة بحيث يسدّوا كل الطرق والأبواب على كافة القوى الاستبدادية. وإلاّ فإن القوى الطاغوتية لن تتوانى عن اقتراف أشنع الجرائم والأعمال، وسيؤول أمرنا نحن الإيرانيين إلى الهلاك والبوار.

ثالثاً: اتضح لك مما شرحناه أن الهيئة المسددة التي يراد تأسيسها وفقاً لمذهبنا نحن الإمامية تحل محل العصمة بدرجة ما، ووفقاً لمباني أهل السنة تحل محل القوة العلمية وملكة التقوى والعدالة. والهدف من هذه القوة هو حفظ السلطة الإسلامية وصيانتها من الانحراف والتبدل، ومراقبتها لئلاّ تتجاوز الحدود المرسومة لها، وإبقاؤها داخل النطاق الطبيعي لها.

ومن الطبيعي أن تقوم عملية الصيانة على أساس تنظيم الدستور بالشكل الذي أشرنا إليه سابقاً، بحيث يكون وافياً بتحديد الوظائف النوعية وتمييز بعضها عن البعض الآخر، وتحديد ما لا يحق التدخل فيه، وتبيين الحدود المذكورة وفقاً لمتطلبات المذهب على شكل قانون يحمل صفة رسمية، وإلاّ فبدون الدستور يصبح أمر مراقبة المتصدين وضبطهم وتحديدهم بالحدود التي مرت كالمحمول بلا موضوع، أو هو من قبيل حلق رأسٍ لا يُعرف صاحبه.

وبالجملة نقول كما إن ضبط أعمال المقلدين في أبواب العبادات والمعاملات من دون الرجوع إلى الرسائل العملية أمر ممتنع، فكذلك ضبط تصرفات المتصدين ومراقبتهم فيما يخص أمور البلد السياسية ممتنع أيضاً، ما لم يوجد هناك دستور مدوّن.

والواقع إن وضع الدستور هو الذي يحفظ لنا مسألة التحديد والتقنين والمسؤولية، ومن هنا بالذات تنشأ أهمية وضع الدستور، وتتضح ضرورته كونه أمراً واجباً لابد منه.

والآن وبعد أن اتضحت تلك الأمور الثلاثة بما فيه الكفاية، وبعد أن تبيّن لك أن حفظ الدولة الإسلامية عن الانحراف والاستبدال، والإبقاء على الثوابت الحقة كمسألة الحد من الصلاحيات، وتقبّل المسؤولية والشعور بها؛ وأصل الشورى وسائر المقومات الولائية لا تجد طريقاً إلى التنفيذ إلاّ بتدوين دستور محدد وقيام هيئة عليا بالإشراف والتسديد. كما وعرفت إن عمل الهيئة المسددة لا ينحصر بإلزام المتصدين بالقيام بالوظائف المطلوبة والحيلولة دون وقوع التجاوزات والمخالفات أو المحافظة على الموقوفات من أن تطالها أيدي الغاصبين والسارقين فحسب، بل إن الهدف من تشكيل هذه الهيئة أدق وألطف وأجلّ من هذه الأمور كلها، إذ إن هذه الهيئة المشرفة، وبناءً على الأصول المستقاة من مذهبنا، تقوم مقام عنصر العصمة بنسبة من النسب، وبناءً على مبتنيات العامة من أهل السنة فهي تقوم مقام عنصر العلم وملكة التقوى والعدالة. وتبين لك أن قيام الهيئة المشرفة بكل هذه الأدوار أمر غير ممكن، إلاّ إذا كانت هذه الهيئة المسددة في عملها وتأثيرها على مجريات الأمور في البلاد بمنزلة الملكات والإدراكات التي تنبعث عنها الإرادة والرغبة النفسية، وتأخذ طابعها ويكون لها نفس الأثر.

أقول: بعد أن عرفت وأحطت بكل هذه المعاني والمباني وعرفت أن صيانة السلطة الإسلامية إنما هي متحققة ومتقومة بهذين الركنين: تدوين دستور محدّد، وقيام هيئة عليا بالإشراف والتسديد. وعرفت ما يترتب على الأصلين المباركين ـ الحرية والمساواة ـ من مسؤولية، وكون قيام الهيئة المسددة مقام العصمة عندنا، ومقام عنصر العلم والقوة العلمية عند أهل السنة، لا يتأتى إلاّ بتجزئة القوة الحاكمة والأخذ بنظر الاعتبار كافة المباني المذكورة وردّ كل فرع من الفروع إلى أصله في الشريعة المقدسة، خصوصاً على ضوء متبنيات مذهبنا نحن الإمامية. بعد كل هذا يتضح لك بجلاء هذا المعنى، وهو أن تحديد ولاية الجور والحد من صلاحياتها الذي أثبتنا وجوبه وضرورته من عدة نواحٍ، لا يتم إلاّ على النحو الذي قلناه.

ولا يسعني في هذا المقام إلاّ الاعتراف بجودة استنباط وحسن استنتاج أول حكيم قرّر هذه المعاني واستنبط وجوب أن تكون الحكومة الولائية العادلة حكومة مسؤولة ومشروطة ومقيّدة ومحدودة ومبتنية على الشورى، جاعلاً قوامها الأصلين المباركين (الحرية والشورى) اللذين أشرنا إليهما وما يترتب عليهما من مسؤولية، معتبراً في حفظ مقوماتها هذين الركنين، وهما تدوين الدستور وتشكيل الهيئة المشرفة، وصاغها على شكل قانون مطّرد وبلورها على أحسن وجه وأتم صورة، وقال بإمكانية إقامة القوة المسددة والرادعة مقام العصمة أو على الأقل مقام التقوى والعلم والعدالة، كما هو انبعاث الإرادات النفسية من الملكات والإدراكات، وجعل الطريق إلى كل ذلك هو توزيع مهام ووظائف ومسؤوليات الدولة وحصر وظيفة المتصدين في الأمور والمهام التنفيذية، على أن يتم ذلك تحت إشراف ونظارة القوة المسددة المسؤولة عنها، وبدورها تكون هذه القوة مسؤولة أمام أفراد الشعب.

كل ما تقدم يكشف عن سمو وعلو مقام ذلك الحكيم، وهو في نفس الوقت مدعاة لسرور واغتباط عموم الشعب.

ومع أننا، بحمد الله وحسن تأييده، عند تعرضنا لهذه المقولة المباركة "لا تنقض اليقين بالشك"([62]) ترانا نستنبط العديد من الأصول والقواعد اللطيفة، لكننا في الوقت نفسه نغفل عن التفكير بمقتضيات أسس ومباني مذهبنا وما نمتاز به عن سائر الفرق، فابتلينا بأن أصبحنا أسارى ورقيقاً بأيدي الطواغيت حتى ظهور الحجة (عجل الله تعالى فرجه)، ولم ندخل هذا المجال اعتقاداً منّا بعدم جدواه. وأما الآخرون فقد سبقونا في فهم تلك الأسس والمباني وتخليص رقابهم من هذه العبودية النحسة.

لقد استفاد المذهب المادي من مبادئ وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف في إصلاح وتنظيم أمور المجتمع والأخذ بأسباب الرقي والتقدم، وحقق نتائج رائعة مستقاة من تلك الأسس والمبادئ. وأما نحن المسلمين فقد تقهقرنا إلى الوراء. والآن وبعد اللتيّا واللتي، وبعد أن تنبّهنا قليلاً وأخذنا أحكام ديننا وأصول مذهبنا بخضوع وذلة من الآخرين، فصرنا مصداقاً للآية الكريمة: {هذه بضاعتنا ردّت إلينا} رفع الجهلة وعبدة الطواغيت من حاملي لواء الاستبداد الديني عقيرتهم ليعربوا عن مساندتهم وتأييدهم للظلمة، وينادوا بأن سلب الاختيار التام والحاكمية المطلقة وصفات الذات الأحدية عن الظالمين يعد عملاً منافياً للإسلام والقرآن.

وانطلاقاً من نزعتهم الاستبدادية المتأصلة فيهم، قام هؤلاء وبمساندة من الظلمة بابتداع مذهب جديد أسموه الإسلام، وشيّدوه على أساس رفع شأن طواغيت الأمة إلى مستوى الربوبية، وإسباغ الصفات الإلهية عليهم، واستندوا في ذلك كلة إلى كتاب الجور والاستبداد الذي أنزل عليهم من بلاد الشرك والإلحاد، أي بلاد الروس {إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم}([63])، فأسموا تعاليم كتاب الجور هذا بالقرآن السماوي، وجهروا بما خالفوا به ضروريات الدين في بلد الإسلام مستعينين بطواغيت الأمة، وراحوا يردّدون مقولة المشركين {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب... ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق}([64]) مرة أخرى.

عصمنا الله تعالى من غلبة الهوى وإيثار العاجلة ومعاونة الظلمة وسوء الخاتمة، بمحمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

 

 

الفصل الرابع

الشبهات التي أثيرت حول الحكم الدستوري

 

نعالج في هذا الفصل جملة من الوساوس والشبهات المثارة في المقام؛ وفي البدء نقول إن هذه الوساوس كما كانت ناتجة من أعمال الطواغيت وجبابرة الأمم ومن إفرازات شعبة الاستبداد الديني، وقد ألقيت من قبل بعضهم بهدف الحفاظ على شجرة الاستبداد الخبيثة، لذا فقد يبدو من الأفضل الترفع عن التعرض لها والإجابة عنها، بل وإن ذلك ليس مما ينبغي الاعتناء به، إلا أننا مع ذلك نتعرض لها ونجيب عنها حرصاً على دفع التوهم الذي قد يحصل لدى الأمم غير الإسلامية وغير المطلعين على الأحكام الشرعية، من أن هذه الأباطيل الاستبدادية في عداد أقوال علماء الإسلام وآرائهم، وأنهم قد اختلفوا بشأنها بين الرد والقبول، وأنها أمور لم تحسم بعدُ في الشريعة، مما يفسح المجال للطعن بالشريعة والدين المبين، على أننا قد توخّينا الاختصار في هذه العجالة على أمل أن نستقصي كل هذه الأباطيل في وقت ومقال آخرَين.

اتضح لك مما سبق أن أساس السلطة، سواء كانت شرعية أم غير شرعية ـ أي مغتصبة ـ، فيما يختص بالعدالة والولاية يستند إلى مبدئي الحرية والمساواة، وأما فيما يرتبط بالشورى وتحديد الصلاحيات فإنه يتوقف على تدوين قانون أساسي وتشكيل مجلس وطني. والآن نحاول أن نرد على المغالطات المثارة حول مبدأ الحرية ومبدأ المساواة، ومن ثم نجيب على الشبهات الموجودة في باب الشورى فيما يخص تحديد الصلاحيات.

 

المغالطة الأولى: وهي في مبدأ الحرية ومن أكبر المغالطات؛ فكما تعلم أن حقيقة الحكومة السلطوية هي اغتصاب رقاب الشعب وإخضاعه لتصرفات جائرة ومستبدة، وأساس هذا الاغتصاب يعود إلى الفترة الزمنية التي تلت ظهور الإسلام وبالتحديد إلى الزمن الذي بلغ فيه بنو العاص ثلاثين رجلاً، كما ورد في الحديث النبوي الشريف المذكور آنفاً والمتواتر بين الشيعة والسنة.

وقد عرفت أن أصل الولاية ـ وإن كان المتصدي غاصباً ـ يمكن أن يستقيم بالتحرر من الاسترقاق والعبودية، فمما لا شك فيه أن حقيقة استبدال الحكومة الغاصبة الجائرة لا تتم إلا بالتحرر من الأسر والرقيّة، وما نشهده من منازعات ومصادمات بين الشعوب وحكوماتها السلطوية تعود لهذا السبب، وليس حتماً أن يكون الهدف منها هو التنصّل من الدين والابتعاد عن أصول المذهب.

إن ما تصبو إليه الشعوب ـ سواء كانت تدين بدين وشريعة معينة أو لا تدين بذلك ـ هو التخلص من ذل العبودية واستنقاذ رقابها من طوق أسر الطغاة والجبابرة، لا الخروج من ربقة العبودية لله جلت آلاؤه، والتنكر لما تدين به من دين أو شريعة. وأما الطرف المقابل في هذا الصراع فهو الحكومات الغاصبة لرقابهم لا ربّهم ومالكهم، ذلك لأن هذا الصراع كان جارياً بين الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) من جهة وبين الفراعنة والطواغيت من جهة أخرى، وقد امتد في ما بعد بين أتباع الأنبياء وبين الطواغيت الذين خلفوا طواغيت عصر الأنبياء.

إن السعي الحثيث من أجل تغيير وجهة ما هو إلا لاستنقاذ أسمى ما وهبه الله عز اسمه من أيدي الغاصبين وهو الحرية، وحقيقة تغيير مسار الحكومة الغاصبة تكمن في فوز الشعب بهذه الموهبة الكبيرة. ولذا فقد عمد عبدة الظلمة على صرف الشعب عن إدراك حقيقة تلك الموهبة، والترويج لفكرة زائفة مفادها أن هذه الموهبة الإلهية هي من آداب ونزعات الشعوب المسيحية ومستوحاة من ديانتهم؛ وبذا فقد ألصقوها بالمسيحيين لتشويهها، ولكن هيهات هيهات، لقد ولّى ذلك الزمن الذي كان فيه الشعب الإيراني رهين الغفلة؛ ففي وقت مضى كان لعن المرحوم قدوة المتألهين الآخوند ملا محراب الحكيم عليه الرحمة([65]) يعد أمراً واجباً لأنه يقول بوحدة واجب الوجود، وكانوا يوجبون إعلان البراءة من حضرة النبي موسى الكليم على نبيّنا وعليه السلام لكونه نبيّاً لليهود. ولربما أساء البعض الأدب مع الإمام السابع [الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)] بسبب اشتراكه مع حضرة الكليم في الاسم! مجمل القول إن البعض كان يعدل عن الحق بسبب كلمة واهية، وأما اليوم فإن المجتمع قد تفتحت بصائره ولله الحمد.

وبغض النظر عمّا استجليناه من حقيقة الحرية المهضومة المغصوبة وما أبداه الأنبياء والأولياء في أمر استنقاذها من الغاصبين، فقد تبين لك أن حقيقة الاستبداد الذي تنتهجه الدولة الغاصبة في اغتصاب الحرية، وأما الدستورية [المشروطية] فهي تعني فيما تعنيه استرداد الحرية من الغاصبين. وأما مسألة اتساع المشارب وتعددها فليست لها أي صلة بهذا الموضوع.

إن وجود هذه المسألة وعدمها ناتج عن تعدد المذاهب ولا يرتبط باستبدادية أو دستورية الدولة، إضافة إلى ما أشرنا إليه فإن كل ذي عقل يدرك جيداً أن الشعوب بأجمعها، خصوصاً أتباع الديانة المسيحية على اتساع مشاربها وتعددها، بعد أن وعت هذا الأصل الذي هو أساس السعادة، أعلنت الحرب ضد الغاصبين وعانت من الويلات والمصائب أكثر مما عانيناه نحن وبذلت أضعاف ما بذلنا من الأموال والأنفس في سبيل الحصول على رأس مال حياتهم الوطنية. وقد حصلوا في النهاية على هذا الرأس مال العظيم، في حين نرى أن الشعب الروسي الذي عانى الكثير الكثير من المآسي والويلات على يد حكومته الجائرة وبذل التضحيات الجسام للتخلص منها، لم ينتصر في كفاحه ضدها، مع إنه لا يختلف عن غيره من الشعوب المسيحية التي حصلت على أعلى درجات الحرية مع تعدد المذاهب والمشارب في سائر تعاليمهم الدينية؛ فدينهم واحد ومباحاتهم واحدة والتزامهم بمبادئ النصرانية وبذلهم الأموال لترويج الشعائر النصرانية على حد سواء، والسبب في عدم انتصارهم [أي عدم انتصار الشعب الروسي] يعود إلى شدة بأس القوة الحاكمة لا غير.

والآن وبعد أن اتضح لك الأمر وعرفت أن المسيحيين بطائفتيهم القديمة والحديثة ومع اتساع مشاربهم وتعدد آرائهم قد اتفقوا في هذه المسألة، لابد وأنك استشعرت مدى هشاشة الرأي الذي يربط بين التحرر من نير طواغيت الأمة وحدوث الاختلاف والتشرذم في الأمة، فهذه المغالطة سوف لن تحقق لأصحابها غرضهم بعونه تعالى مع ما بذل من جهد جهيد لترسيخها؛ فالشعب اليوم ولله الحمد قد استيقظ من سباته ووعى تعاليم دينه ومذهبه ويفهم الخطوط العامة للديانة المسيحية والقواسم المشتركة بين كافة المذاهب وأهمها التحرر من أيدي الفراعنة والطواغيت. وهو لا يصغي بعد الآن إلى هذه المغالطات والمفتريات ولا يرضخ لذل الجبابرة ولا يردد كلمة الكفر [لا حكم إلا لله]([66]) كما يرددها من تبقى من خوارج النهروان، ولا يعصي أوامر أئمته وعلمائه ولا يشهر السيف بوجه صاحب الزمان (عج).

أما نحن عبدة الظلمة حيث كنا بالأمس نعد التحرر من ذل هذه العبودية مروقاً من الدين ونعتبر دستورية الدولة ديناً ومذهباً جديداً مقابل الدين الحق، ونسعى في تمكين رقاب المسلمين من هذا الذل المقيت، وفي المقابل نتلقى الجوائز والهدايا على ما نقوم به من خدمة. وأما بعد اليوم فلن نحصل على مثل هذه الجوائز ولن نراها حتى في المنام.

 

المغالطة الثانية: وتختص بمبدأ المساواة.

كما هو معروف فإن الحكومة الولايتية غير الجائرة إنما تبتني على المبدأ الأول، وهو تحرير رقاب الشعب من نير الظلمة.

وقد حاول البعض أن يثير عدة مغالطات حول هذا المبدأ. أما مسألة الحفاظ على العدالة في إجراء المبدأ الأول (مبدأ الحرية) وصيانته من التبدل والانحراف فهو يرتبط بالمبدأ الثاني وهو مبدأ المساواة بين آحاد الشعب ومساواتهم مع الشخص الوالي في جميع الأمور.

في زيارة الغدير الغراء نقرأ هذه العبارة في وصف سيد الأوصياء (عليه السلام): "وأنت القاسم بالسوية والعادل في الرعية"([67])، حيث تشير إلى ما قلناه بخصوص مبدأ المساواة، ولكن أهمية هذا المبدأ وكونه الركن الثاني في سعادة الشعب وأنه يحول دون استئثار المتصدين بالنعم والملذات ويمنعهم أيضاً من القيام بأعمال استبدادية، كل ذلك حدا بالبعض لأن يرسموا لهذه العبادة صورة قبيحة تثير النفرة والاشمئزاز لدى المسلمين وغير المسلمين.

فمن البديهي إن المكلفين على مراتب ودرجات، ويستتبع هذا تعدد وتفاوت في الواجبات والمهام الملقاة على عاتقهم، كل بحسب صنفه. وهذا ليس رأي المسلمين خاصة، بل هو مما أجمعت عليه كل الشرائع والأديان. وحتى اللادينيون ومنكرو الشرائع يقرّون بالأحكام العقلائية التي هي من مستلزمات الحياة البشرية والمائز عن الحيوانية، ويؤيدون هذه الحقيقة، وهي أن البشر مختلفون في القوة والعجز، والاختيار والاضطرار، والمكنة والفقر، والذكاء والغباء، وإلى غير ذلك من الخصائص والمميزات. والناس يتوزعون على درجات ومراتب.

وكما هو معروف لدى كافة شعوب العالم فإن لكل صنف مهام ومقررات خاصة به، وهذه الحقيقة من المستقلات العقلية.

بعد أن تبين لك بداهة هذا المعنى، فمن غير العسير حتى على الطفل المميز أن يدرك أن المساواة بين أصناف مختلفة يدين كل واحد منها بأحكام خاصة، ورفع التمايز والتفاوت الموجود بينها، يخالف ما جاءت به جميع الشرائع والأديان من ضروريات، ويخالف العقل النزيه في أحكامه، ويبطل كل القوانين والمبادئ السياسية لدى جميع الأمم، ويزعزع أسس النظام الموجود في العالم؛ ولا تقول به أي من الشعوب سواء المتمدنة منها أم غير المتمدنة. ومن هنا يتبين أنه لا مجال لحمل لفظ كلمة المساواة على هذا المعنى المتداعي.

إن مبدأ المساواة هو من أشرف المبادئ والقوانين التي تنادي بها السياسة الإسلامية، وهو أس العدالة وروح القانون، وقد بينّا إجمالاً مدى الأهمية البالغة التي يوليها الشارع المقدس لمسألة تحكيم الأصل الثاني الذي يؤدي دوراً أساسياً في سعادة الأمة؛ فالشريعة المطهرة تقضي بأن كل حكم، مهما كان موضوعه، إذا ما اتخذ صيغة قانونية، يلزم عنه في مرحلة التنفيذ أن ينفذ على تمام مصاديقه وأفراده بشكل واحد وبالسوية، ولا يلحظ في أمر التنفيذ أية محسوبية أو مؤثرات شخصية، ولا يجوز لأحد أن يلغي حكماً أو يغض الطرف في إجراء حكم من الأحكام. ولا مجال للرشوة والتخلف عن التطبيق، وإصدار الأحكام على أساس الهوى والأغراض النفسية. وبالنسبة للحقوق المدنية الأولية والعامة كأصل التأمين على النفس والعرض والمال والمسكن وعدم التعرض للآخرين بلا سبب والسماح بإقامة منتديات ولقاءات مشروعة وغيرها من الحقوق المدنية العامة، لابد من إجرائها للجميع بنحو واحد. وأما في الموارد الخاصة فيجب أن لا يكون هناك أي امتياز أو أولوية للبعض دون البعض الآخر، فكل أفراد الشعب بعد أن تنطبق عليهم تلك الموارد الخاصة يكونون فيها سواء. فيجب ـ مثلاً ـ أن لا يلحظ في المدعى عليه كونه وضيعاً أو شريفاً، جاهلاً أو عالماً، كافراً أو مسلماً، فالكل يجب أن يأتوا إلى المحكمة مذعنين. وأما الأحكام الصادرة من قبل الحاكم الشرعي النافذ الحكومة بحق القاتل والسارق والزاني والشارب للخمر والراشي والمرتشي والجائر في الحكم والمفسد والمرتد ومن يأكل مال اليتيم فيجب أن تنفذ بسرعة ودون تأخير، فالأحكام الخاصة بالمسلمين أو بأهل الذمة لابد وأن تنفذ بلا تمييز بين أفراد كل من الفريقين. هذه هي حقيقة المساواة والتي تعد روح القوانين والمبادئ السياسية، ولا شك أن عدم جواز التخطي عن هذا الأصل هو من ضروريات الدين الإسلامي الحنيف ومن بديهياته.

ومن هنا يصبح سن دستور أساسي بالإضافة إلى الشريعة المقدسة أمراً ضرورياً، فمفادهما واحد، وكل منها يعد ترجماناً للآخر، ويتكفلان معاً بيان روح السياسة وأساس العدالة، أقصد المساواة. وليس الهدف كما صوّره البعض في مغالطتهم من إن المراد هو مخالفة ضروريات الشرائع والأديان، خصوصاً بعد أن بينّا وبصريح العبارة إن كلاًّ من الدستور والشريعة ينص على مبدأ المساواة في الحقوق، وإن الناس سواسية أمام القوانين الدستورية وأحكام الشرع المتضمنة بيان حكم خاص لعنوان عام أو لموضوع خاص.

إذن المقصود من المساواة هو تطبيق الأحكام المترتبة على كل من العناوين الخاصة أو العامة بحق الأشخاص، أي موضوعات الأحكام، بالسوية من دون أن يكون للأهواء والميول الشهوانية أي دخل في مجال التطبيق. وهذا هو المعنى المراد من مبدأ المساواة لدى جميع الشعوب والأمم، ولو كان المقصود غير هذا المعنى لكان سبباً في هدم جميع ما سنّوه من قوانين ومبادئ.

إن سر اختلافنا مع سائر الأمم الأخرى في الأمور السياسية يعود إلى عدم توافق قوانينهم التفصيلية مع أحكام الشريعة، لا بسبب التزامهم بالعدالة والمساواة في تنفيذ تلك القوانين. ولو كانت القوانين التفصيلية مطابقة لأحكام الشريعة لكان الالتزام بمبدأ المساواة المبارك لا يعني فيما يعنيه سوى عدم التمييز بين الشريف والوضيع والقوي والضعيف في مجال تطبيق الأحكام، وإحياء السيرة الحسنة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكف أيدي الطواغيت عن التلاعب بتلك القوانين، وتحكيم أساس الشعور بالمسؤولية في تنفيذ الأحكام.

ولكننا نرى كيف أن البعض حاول تشويه هذا المبدأ، والذي هو أس العدالة، وإظهاره بأقبح صورة، وتفسيره بأنه يعني رفع أوجه التمايز فيما بين مختلف طبقات وأصناف المجتمع التي تختلف بطبيعتها في الأحكام، وغيرها من التفاسير المغرضة التي من شأنها إثارة حفيظة وسخط الأمم كافة. وبذا كانوا مصداقاً للآية الكريمة:{يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون}([68])، وأصبحوا كذلك مصداقاً للآية:{لهم قلوب لا يفقهون بها}([69]).

وكما اتضح لك فإن الهدف من تدوين القانون الأساسي هو ضبط أعمال المتصدين، والحد من سيطرتهم وصلاحياتهم وتحديد مهامهم وواجباتهم. وأما التعاليم والقوانين التفصيلية فهي إما من قبيل السياسة المتعارف عليها لحفظ النظام أو هي أحكام شرعية عامة. لا تختص بطبقة خاصة وصنف معين، وبالتالي فهي لا تمت بأي صلة إلى التكاليف التعبّدية أو التوصّلية، ولا ترتبط بأحكام المعاملات وغيرها من أبواب العقود والإيقاعات والمواريث والقصاص والديات، والتي لا تدخل في دائرة اختصاصات المتصدين وممثلي الحكومة، وإنما هي مما يبحثها المراجع في رسائلهم العملية ولا تجب إلا على من دان بالدين الإسلامي الحنيف.

أضف إلى ذلك إن ما يراد من تدوين القانون لا علاقة له بوظائف الحكومة  الشرعية وتطبيق موارد الحكم الشرعي باستيفاء القصاص والديات وإجراء الحدود الإلهية على المسلم والكافر الأصلي والمرتد الفكري والملي وغير ذلك مما يحكم به المجتهد النافذ الحكومة وتقوم بتنفيذه السلطة التنفيذية؛ وبحمد الله فإن الأحكام الصادرة في هذه الأبواب لا مجال للتدخل فيها من قبل الآخرين، كما أن الحاق مبدأ المساواة بقانون المحاكمات لا يراد به سوى وجوب الرجوع في هذه المجالات إلى المجتهد النافذ الحكومة، ومن ثم تنفيذاً للأحكام الصادرة عن ذلك المجتهد مهما كانت طبيعة تلك الأحكام وأياًّ كان المحكوم عليه وبلا تأخير.

ولكنهم مع ذلك ولأجل تدعيم مغالطتهم المغرضة والتي بينّاها توّاً عدّوا تعدد موارد الموضوعات والأحكام الشرعية في الأبواب المذكورة منافياً لقانون المساواة الذي عرفت فوائده وثمراته، والأعجب من ذلك أنهم مع وضوح فكرة المساواة وأنها بمعنى التسوية بين أفراد المجتمع في القوانين الموضوعة لأجل ضبط تصرفات المتصدين، وليس الهدف منها رفع جميع أوجه التمايز بينهم، فالقوانين عامة وتشمل جميع الأصناف والطبقات، وجميع المغالطات التي ذكرت هي أجنبية وغريبة عن أصل الموضوع، مع ذلك كله، ولأجل توجيه هذه المغالطات وصرف الأذهان عن هذه المفارقة الواضحة، أتوا على مغالطة عجيبة أخرى خلاصتها أنه إذا كانت القوانين المذكورة إسلامية، مع ما فيها من الاختلافات في الأبواب المذكورة، إذن كيف يمكن أن نحصل على المساواة؟ وإذا كانت الأحكام المذكورة تلك مخالفة للإسلام، فكيف يمكن قبولها كقوانين يلزم إجراؤها؟

وللإجابة على هذه المغالطة نقول إن كل الأحكام القانونية هي بمرأى ومسمع الجميع، وأن هذه المغالطة الباعثة على الشك لا محل لها من الإعراب، فالقوانين المقررة لتحديد صلاحيات المتصدين وضبط تصرفاتهم ضابطها أن لا تخالف الإسلام، لا أن تدرج جميع الأحكام الإسلامية بدءاً بكتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات في قائمة الوظائف والمهام السياسية للمتصدين ويكوان مسؤولين عنها. وقد فات هؤلاء المثل الشعبي المعروف وهو: صحيح أن كل جوزة كروية الشكل، ولكن ليس كل ما هو كروي فهو جوزة.

إنما أوردت هذا المثل الذي يعرفه حتى الأطفال لأقول إن غلبة الهوى وشدة الطمع قد طبعت على قلوب هؤلاء فأنستهم هذا المعنى. والحق أن الزمن أشرف وأغلى من أن نصرفه في التعرض لمثل هذه الأقاويل، والرد على مثل هذه الأباطيل.

 

المغالطة الثالثة: وهي المثارة حول تدوين القانون الأساس.

لقد قام عبدة الظلمة ـ ولأجل رفع هذا اللجام عن الأفواه الكبيرة لأسيادهم الظلمة ـ بالضرب على أوتار مختلفة أهمها أن ديننا نحن المسلمين هو الإسلام وقانوننا هو القرآن الكريم وسنة خاتم الرسل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن هنا فإن تدوين قانون آخر في بلد الإسلام بدعة والالتزام به بدعة أخرى لعدم مشروعيته، كما إن معاقبة من تخلف عنه بدعة ثالثة. إذن هذه المغالطة تقضي بأن تدوين الدستور الأساس يعد بدعة من ثلاث زوايا.

إن حقيقة هذه المغالطات تشبه إلى حد كبير قصة رفع المصاحف من قبل الشاميين، كما أنها تشبه ما قاله الخوارج في النهروان (أن لا حكم إلا لله)، بل هي أكبر من كلتا هاتين المغالطتين، وهنا يلزم بيان أمرين:

الأمر الأول: هو أنه من أظهر البديهيات الإسلامية ومن المسائل التي أجمع عليها علماء الأمة بلا استثناء هو حرمة التطاول على مقام النبوة الشامخ وعلى الشارع المقدس، وهو الذي عبرت عنه الأخبار بالبدعة وأسماه الفقهاء بالتشريع، وهذا إنما يتحقق عندما يعنْوَن حكم من الأحكام، فردياً كان أو اجتماعياً مكتوباً أو غير مكتوب، على انه حكم الله وحكم الشرع وأنه يجب الالتزام به كذباً وافتراءً.

وأما مع عدم إسباغ الصفة الشرعية والإلهية وعدم نسبة الحكم إلى الشارع المقدس، فإن أي لون من الإلزام، والالتزام سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي، لا يعد بدعة أو تشريعاً، مثل النوم والاستيقاظ والأكل في ساعات محدودة، أو كأن يلتزم أفراد الأسرة أو القرية بتنظيم أمورهم على وجه خاص وطراز خاص. وقد تتعدى دائرة الالتزام والإلزام لتشمل سكان قطر من الأقطار أو إقليم من الأقاليم.

وأما بالنسبة للمقررات والنظم المتعارف عليها، فلا فرق بين أن تكون متعاهد عليها ومعمول بها من تدوين، أو أن تكون مدوّنة على هيئة نص دستوري؛ ذلك لأن الملاك في كل ذلك هو إدارة تشريع جديد مقابل التشريع الإسلامي وإظهار البدعة في الدين، وليس الملاك هو وجود قانون مدوّن أو عدم وجوده.

الأمر الثاني: هو أنه كما توجد هناك أمور كثيرة غير واجبة بذاتها قد تصبح واجبة إذا ما تعلق بها النذر والعهد واليمين أو الأمر الولائي الشرعي أو الشرط ضمن العقد، كذلك قد تجب إذا ما توقف عليها إقامة واجب من الواجبات، أي إن تلك الأمور التي هي غير واجبة في نفسها تكون واجبة بالعرض ويلزم القيام بها عقلاً، حتى لو لم نكن من القائلين بأن مقدمة الواجب واجبة وجوباً شرعياً مستقلاً، ذلك لأن توقف الواجب عليها يوجب لزوم الإتيان بها على نحو الضرورة العقلية. وهذا القدر من لزوم المقدمة ولزوم الإتيان بها متفق عليه بين جميع علماء الإسلام.

بعد أن بينّا هذين الأمرين يتضح وجوب تدوين الدستور الأساسي بالصيغة التي تكفل لنا مسألة تحديد صلاحيات الحكومة الجائرة والحد من اختياراتها على أساس متبنيات مذهبنا نظراً لتوقف أمر حفظ النظام عليه وصيانة لأصل التحديد، ولا يدعي أحد أن ما جاء في الدستور هو من عند الله، كما لا يقصد من ورائه المجيء بشرعة مباينة لشرعة الإسلام أو بدعة في الدين أو التطاول على مقام النبوة. وبذا يظهر أن هذه المقولة ليست إلا مغالطة سخيفة ومغرضة أوردها الإخباريون الجهلة، أولئك الذين يفهموا بعد ما معنى البدعة والتشريع، لذا نراهم يستكثرون على فقهاء عصر الغيبة كتابتهم للرسائل العملية، ويعدوءه من الهفوات والزلات، وأنه تطاول على مقام النبوة المقدس. فسبحان الله أنه التمادي بالغي واتباع الهوى وبتعبير القرآن الكريم {أخلد إلى الأرض واتّبع هواه}([70]) الذي يؤدي بالإنسان إلى تسطير مثل هذه الأباطيل والشبهات الواهية التي يروجها الإخباريون الجهلة، ويعرض الدين الإسلامي وما أنجزه علماء الإسلام والمجددون منهم على مر القرون والقرن الثالث عشر الهجري خاصة إلى خطر الزوال من حيث لا يشعر الإنسان بذلك، كل ذلك في سبيل إلغاء أصل تحديد الحكومة وإلغاء المبدأ القائل بوجوب أن يتحمل المتصدون مسؤولية وتبعات ما يرتكبونه من جرائم إزاء أرواح وأعراض وأموال المسلمين. وهنا ليس لنا إلا أن نردد صريح الآية الكريمة:{فاعتبروا يا أولي الأبصار}([71])، فهل إنهم لم يفرقوا بين حقيقة التشريع وبين البدعة؟ وإن الأمور قد اختلطت عليهم؟ أو أنهم ساروا على خطى الذين سبقوهم عمّا جاء في وصفهم في الخطبة الشقشقية: "بلى، قد سمعوها ووعوها، ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها"([72]).

إن المساعي الحثيثة التي بذلت لأجل تطبيق القانون العسكري الذي دوّن بإيحاء من الروس بعد هدم الركن الأساس لسعادة الشعب الإيراني مع ما يتضمنه [أي القانون العسكري] من مخالفة صريحة لضروريات وأحكام الدين الإسلامي، كما إن إيكال أمر تطبيق هذا القانون إلى الضابط الروسي لياخوف([73]) بما يعني تسليطه على نفوس وأعراض وأموال المسلمين، كل ذلك يؤكد على رجحان كفة الاحتمال أو الشق الثاني، وانطباق وصف أمير المؤمنين عليهم بأن الدنيا حليت في أعينهم وراقهم زبرجها وأن الأمر ليس مجرد اشتباه.

 

المغالطة الرابعة: وهي بخصوص تنصيب مراقبين وعقد مجلس شورى وطني.

لقد بذل أعوان الظلمة جل اهتمامهم حول هذا الموضوع لكونه يمثل الجانب العملي في مسألة تحديد السلطة الجائرة وبمثابة اللجام الذي يكف الظالمين عن التمادي في غيّهم، فألصقوا أنواع التهم بمنتخبي الدورة الأولى من المجلس وراحوا ينسجون من المهازل ما هو أوهن من خيوط العنكبوت. وفيما يلي نرد على بعض هذه التخرصات بالترتيب:

أولاً: ما أرسله بعض متنسكي وجهلة تبريز إلى النجف من روايات وأخبار تدل على جواز تدخل الأمة في أمر الإمام، فكانوا كناقل التمر إلى هجر.

وقد جاء في كتابهم ما شأن الرعية والدخول في أمر إمامة وسلطان صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن أرواحنا فداه!!

فهم لشدة اتباعهم الهوى تصوروا أن طهران هي الناحية المقدسة للإمام الحجة بن الحسن (عج) أرواحنا فداه! أو أنها الكوفة المشرفة! وأن عصرنا هذا عصر خلافة الحجة صاحب الزمان (عج)! وأن هؤلاء المغتصبين للولاية يمثلون الحجة المهدي! وأما منتخبو الشعب فهم أناس انتدبوا ليتدخلوا في أمر الخلافة الحقة والولاية المطلقة!!

ندعو الله العلي القدير أن يداوي أسراء وأذلاء هذا البلد بأنفاس المسيح (عليه السلام)، وأن يتداركهم روح المقدس فيعوا هذا الأمر الواضح؛ وهو إن طهران ليست الناحية المقدسة، ولا الكوفة المشرفة، وأن المغتصبين للحكومة لا يمثلون ذاك المقام الشامخ [الإمام (عج)]. وإن ما يريده ممثلو الشعب هو الوقوف بوجه الغاصبين والحد من صلاحياتهم واختياراتهم.

وإذا ما استوعبوا هذه البديهيات يمكن دفع هذه الشبهة التي تشبه شبهة ابن كمونة([74]) وحل هذه العويصة الأصعب من الجذر الأصم([75])!

ثانياً: بعد الإذعان لضرورة تحديد السلطة الجائرة بالقدر المستطاع ولزوم تعيين لجنة مراقبة لمتابعة تحركات المتصدين ومنعهم من التمادي في غيّهم، قام البعض بإلقاء الشبه والوساوس حول هذا الموضوع كي يصرفوا أذهان العامة عنه، ومحصل كلامهم أن كلتا المقدمتين (تحديد السلطة وتعيين هيئة مشرفة)، هي من الضرورات ولا يمكن إنكارهما، لكن بما أن القيام بإدارة أمور الأمة وشؤونها هي من الوظائف الحسبية وتدخل في باب الولاية، إذن فالقيام بها من وظائف النواب العامين والمجتهدين العدول، وليس من شأن العوام التدخل في مثل هذه الأمور، فتدخلهم وانتخاب الممثلين كله عبث وغير صحيح، وينتج عنه تصدي من لا يحق له التصدي، فيكون تصديه اغتصاباً لهذا المقام.

وفي معرض الإجابة

نقول إن هذه الشبهة تختلف عن سائر التلفيقات بأنها ذات صبغة علمية، حيث تضمنت التسليم بضرورة تحديد الصلاحيات وتعيين ما يسمى بالهيئة المشرفة أو لجنة المراقبة، بالإضافة إلى أنها تنكر أصل الموضوع وجدواه، ولم تدّعِ بأن طَرق هذا الموضوع هو تدخل سافر في شؤون الإمامة، ولذا وجب علينا أن نشكرهم على موقفهم الإيجابي هذا، ولكن الإشكال الذي طرحوه هو من المصاديق الواضحة للمثل المعروف القائل: "حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء".

إذ من الواضح أن إدارة أمور الأمة وشؤونها من الوظائف الحسبية، ولكن وبغض النظر عن مبدأ الشورى الذي يجب تكريسة في الحكومة الإسلامية، والذي بيّنّاه سابقاً، فإن الشعب بجميع أفراده له حق الإشراف والمراقبة باعتباره يدفع الضرائب والرسومات ويشارك في إعمار البلاد وبنائها هذا أولاً، كما أن أصل العمل بمبدأ الشورى يقتضي ذلك ثانياً، ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثالثاً. ولا يمكن ممارسة هذا الحق إلا بانتخاب الشعب لممثليه.

أضف إلى ذلك إن واجبنا الفعلي الآن يحتم علينا ذلك نظراً لمغصوبية مقام الخلافة وعدم إمكانية تحقيق التحديد الصحيح إلا بهذه الصورة. ومما سبق نخلص إلى تعيّن وجوب التقنين وتحديد الصلاحيات وفرض الرقابة.

وأما في باب الوظائف الحسبية فلابد من التنويه إلى أصلين مسلّمين:

1ـ لا يلزم في التصدي لهذا الأمر وجود المجتهد، بل يكفي أخذ الإذن منه ليتصف بالشرعية، وهذا من المسائل الواضحة التي يعمل بها حتى عوام الشيعة في إنجاز أعمالهم.

2ـ إن عدم تمكن النواب العموميين ووكلاء الإمام الحجة (عج) من إقامة تلك الوظائف لا يسقطها، بل إن الولاية حينئذ تصبح في عدول المؤمنين، ومع عدم تمكنهم تفوض إلى عموم الناس، بل إنها في النهاية تصل إلى فساق المسلمين، وذلك بإجماع فقهاء الإمامية.

ومن ذلك يتضح أن القيام بالوظائف اللازمة وإجراء عملية التحديد والتقنين لا يتم إلا بهذه الصيغة الدستورية الرسمية السائدة في العالم، وبانتخاب ممثلي الشعب للمساهمة في رسم سياسة البلد وإدارة شؤونه، وبدون ذلك لن نصل إلى النتائج المطلوبة. ولو قام فقهاء عصر الغيبة بتعيين لجنة مراقبة وهيئة مشرفة على أعمال الدولة ـ كبديل عن الصيغة الدستورية ـ فإن النتيجة سوف تكون قيام الحكم المستبد باتخاذ عدد من الإجراءات التعسفية كالنفي والإهانة، وحتى مسألة الرسمية في القيام بالوظائف المذكورة، والتي تشكل الأساس في المسألة الدستورية، فإن تكريسها أمر غير ممكن إلا بالصورة التي أشرنا إليها.

ولهذا فإن ما يمكن القيام به في مثل هذه الظروف، هو الاكتفاء بالقدر المشار إليه من الولاية، وصرف النظر عن الأمور العامة والمشتركة الخارجة عن الولاية على النفس([76])، ولرعاية جانب الاحتياط، يجب أن يكون إجراء الانتخابات وتدخل المنتخبين في أمور الحكومة بإذن المجتهد النافذ الحكم.

وقد يكون من الأصلح أن تضم مجموعة المنتخبين عدداً من المجتهدين العظام لتصحيح وإنفاذ الآراء الصادرة، وذلك كما جاء في الفصل الثاني من الدستور.

وباتخاذ هذه الخطوات ومراعاة جميع الجوانب لا يبقى هناك أي مجال لأية شبهة لدى عوام الشيعة، فضلاً عن أهل العلم منهم.

ثالثاً: ما أرسله البعض من رسائل إلى النجف الأشرف تضم مدعيات فارغة وهزيلة في إثبات أن تشكيل هيئة مشرفة لا يدخل في باب الوكالة الشرعية، وهم بذلك كناقل التمر إلى هجر. وفي الجواب نقول: بغض النظر عن الضرائب التي تدفع لتأمين ودعم مشاريع ومصالح البلد، وبغض النظر عن مجمل القضايا المشتركة والعامة، والتي يكون البتّ فيها من صلاحيات الولي المنصوب من قبل الله تعالى ولا ولاية للغير فيها، والتي يمكن العمل بمبدأ الوكالة الشرعية فيها، بغض النظر عن كل ذلك يبدو أننا نحن المعممين العوام لم نفهم الوكالة بمعناها اللغوي والعرفي وهو مطلق التسليم والإيكال، ومن هنا أطلق عليه اسم عقد الوكالة، ولم نتوقف عند مفاد الآية المباركة، {حسبنا الله ونعم الوكيل}([77])، ولا الآية الكريمة: {وما أنت عليهم بوكيل}([78])، ولا قوله تعالى: {والله على كل شيء وكيل}([79])، وغيرها من الآيات التي يتضح من خلالها عدم انطباق المعنى فيها مع مدلول الوكالة الشرعية، ومع ذلك جيء فيها بكلمة الوكالة.

كما أننا لم نلتفت إلى أنه بعد أن اتضح صحة أصل الموضوع ولزوم تعيين هيئة للإشراف والرقابة، فإن الحديث عن انطباقها على الوكالة الشرعية وعدم انطباقها لا يتعدى أن يكون مناقشة لفظية لا طائل لها. فما هي الثمرة المترتبة وما هو المحذور من وراء كون إطلاق الوكالة في هذا الباب حقيقةً أو مجازاً.

إن تحديد صلاحيات السلطة الجائرة يتنافى وأهواءنا النفسية ومطامعنا الشخصية، ولولا ذلك لما ختم على قلوبنا وأبصارنا وآذاننا، ولما وصلنا إلى هذه الدرجة في معاونة الظلمة، والطغاة ولما أرسلنا مثل هذه (الأباطيل) إلى النجف الأشرف، ولاكتفينا على الأقل بتشويش أذهان العوام.

رابعاً: فيما قيل عن عدم مشروعية الأخذ بآراء الأكثرية وإن هذا الأمر بدعة.

يتبين، مما سبق من الحديث عن التشريع والبدعة، بطلان كون الأخذ برأي الأكثرية بدعة، ولا حاجة للإعادة. فكما تعلم أن أصل الشورى التي نص عليها الكتاب قائم على الأخذ بالتصريحات عند التعارض، والأخذ بآراء الأكثرية عند الدوران، وبأقوى المرجحات. حيث إن الأخذ بالطريق الذي أجمع عليه أكثر العقلاء أرجح من الأخذ بالشاذ، وهذا ما نستفيده من عموم التعليل الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة أيضاً([80])؛ فمع الاختلاف في الآراء والتساوي من حيث المشروعية يلزم الأخذ برأي الأكثرية حفظاً للنظام، وجهة الإلزام في ذلك نفس الأدلة الواردة في لزوم الحفاظ على النظام.

ونضيف هنا أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ برأي الأكثرية من أصحابه في مواقع عديدة؛ فقد نقل الرواة من الفريقين أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أيد الأكثرية في غزوة أحد، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً. وفي غزوة الأحزاب كذلك أخذ الرسول بآراء الأكثرية فيما يرتبط بعدم مصالحة قريش على قدر من تمر المدينة([81]).

كما ونجد أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وافق رأي الأكثرية في قضية التحكيم المشؤومة مع أن الأكثرية كانوا قد خُدعوا برفع الشاميين للمصاحف. وفي ذلك يقول الإمام علي (عليه السلام): إن نصب الحكمين لم يكن ضلالة، وإنما هو سوء رأي اتبعت فيه الأكثرية عندما وجدتها متّفقة عليه([82]).

إن استقصاء مثل هذه الموارد يبعدنا عن الهدف الذي من أجله دوّنّا هذه الرسالة، ولذا نكتفي بهذا القدر في مجال الرد على الدعوى المثارة، ولما كانت معظم الشبهات المغرضة تدور حول هذا الركن الأساسي للسعادة، لذا تصدينا لدفعها ودحضها وإثبات أنها قائمة على أساس الأهواء والمطامع النفسية، وأما ما تبقى من هفوات فهي واضحة البطلان، ولا داعي للالتفات إليها والتعرض لها.

ويجدر بنا هنا أن نذكر في ختام هذا الفصل جانباً من الردود التي أجاب بها سماحة آية الله الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني (دام ظله) على الرسائل الشفوية التي وجهتها المشيخة الإسلامية في اسطنبول إلى سماحته عن طريق بعض الإيرانيين المقيمين هناك، لما تتضمنه من شجب واستنكار للمواقف التي يبديها عبدة الظلمة في إيران.

فقد ورد عن هذا الرجل العظيم الذي طالما سعى إلى نصرة الدين الحنيف، في لزوم الاهتمام بتشييد ركن السعادة وأساسها، ما يلي:

"إذا لم نتصدَّ نحن بوصفنا رؤساء الإسلام وأمناءه لهذه الحضارة التي أخذت شكل السيل العارم المنحدر من بلاد الغرب صوب البلدان الإسلامية، وإذا لم نهب جميعاً لتثبيت أسس ودعائم الحضارة الإسلامية في الوقت المناسب، فسوف يجرف هذا السيل الخطير بناء الإسلام وركائزه ويمحوه من صفحة الوجود" انتهى.

بقي عليك ـ عزيزي القارئ ـ أن تلاحظ مدى الفارق بين هذه النظرة وتلك؛ فهذا الرجل العظيم وفي مقام الدفاع عن الإسلام يتنبه إلى التبعات والعواقب السيئة التي قد تلحق بالإسلام جراء الوضع الراهن الذي يمر به الدين والإسلام، ويلفت الأنظار إلى ضرورة إقامة ركن السعادة هذا مع أن الدولة العثمانية ما زالت تحتفظ باقتدارها وشوكتها، كما أنه لا يشك في أن تحديد صلاحيات السلطة الحاكمة وفرض هيئة مشرفة عليها هو من حاق الدين وصميم الكتاب والسنة ومن معالم الحضارة الإسلامية.

أما نحن عبدة الظلمة في إيران الذين نعد أنفسنا من المتمسكين بالمذهب الجعفري فمهما فرضنا في أنفسنا الجهل بمقتضيات الدين ومداليل الكتاب والسنة وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام)، فلا نجهل هذه الضرورة التي يصرح بها مذهبنا وهي أن هذه الزمرة المتصدية لزمام السلطة هي زمرة غاصبة، ويجب الحد من سلطتها وتحديد صلاحياتها مهما أمكن.

ألا يكفينا أننا كنا بالأمس على رأس الأمم واليوم وقعنا في محنة وورطة ومهلكة لا مثيل لها بسبب انعدام روح الإحساس بالمسؤولية لدى الحكام والمتصدين ورسوخ هذه الفكرة المغلوطة القائلة بأن للحاكم أن يفعل ما يشاء وما يحلو له ولا يحق لأحد أن يسأله عمّا يفعل! حتى أخذ الحكام يعبثون بمقدرات الأمة ومصيرها كيفما شاؤوا. ومع هذا كله ها نحن نداهن فراعنة وطواغيت الأمة العابثين بمقدرات البلاد ونوافق المنتهكين لدماء وأعراض وأموال الشعب، بل ترانا نؤيد الأجانب الذين جاؤوا للغنيمة ونأمل أن تمتد أعمارنا أياماً أخرى ننهب فيها الخيرات ونستأثر بالأموال، وذلك من خلال مخالفتنا لهذا المبدأ الذي يعد الركن الأساسي للسعادة، لأنه يوقف الظلمة عند حدهم ويكفّهم عن التمادي في غيّهم ويبدد جميع مخططاتهم! وها نحن تظافرنا معهم وبذلنا جهدنا لرفع لجام التحديد والتقنين عن أفواه الظلمة وقمنا بعدة أدوار ـ تبعاً للظروف والمستجدات ـ وكلها تصب في تحكيم أساس الاستبداد وزرع بذور الفتنة والفساد؛ ففيما يخص تشكيل هيئة مشرفة من المجتهدين العظام طرحنا مسألة أن يكونوا من الطراز الأول، وكما هو معلوم فإن تعيين المصاديق في مثل هذه المسألة محل تنازع وشجار وعادة ما يؤدي إلى الفرقة والاختلاف، ولم نكتف بذلك، بل سعينا وراء إفشال عمل مجلس الشورى الوطني والإخلال بمشروعيته، وذلك من خلال رفع دعوى ضد عضوية الهيئة المشرفة في المجلس، وأنه ينبغي أن تكون هذه الهيئة خارج إطار المجلس، في حين أن الفصل الذي يختص ببيان دور ومهام الهيئة المشرفة من الدستور ينص وبصراحة على أن رأي هيئة المجتهدين في تأييد صلاحية المواد القانونية المعنونة في المجلس وموافقتها لمبادئ الشريعة أو ردّ صلاحيتها والحكم عليها بأنها مخالفة لأصول الشريعة مطاع ونافذ ومقدم على رأي الأكثرية.

ولكن مع هذا كله أخذنا نردد هذه الشبهة الواهية طمعاً في تضليل السذج والبسطاء من الناس، وهي أن عضوية هيئة المجتهدين في المجلس النيابي تضعف من موقفهم في إلغاء المواد القانونية المخالفة للشريعة الإسلامية فيما إذا كانت الأكثرية مخالفة لرأي الفقهاء في الهيئة المشرفة، وأنه من الممكن الالتفات على رأي الفقهاء عن طريق الأخذ برأي الأكثرية.

وما أن تداعت هذه الشبهة وانكشف زيفها احتلنا في رفع صحيفة أخرى لهدم أساس الدستورية، وهي دعوى أن الحكومة الموجودة تفتقد إلى الشرعية وأن تصدي الغاصبين للحكومة لا يجوز بأي حال من الأحوال، إذن فلا يمكن العمل بأي من ضروريات الدين في مثل هذه الظروف. وهكذا وظّفنا مرة أخرى مصطلح الشرعية لتضليل السذج والتحايل عليهم وهدم أساس الدستورية، فهم يتظاهرون بالاهتمام بالشرعية لكنهم في واقع الأمر يسعون لإبطال مبدأ التحديد والتقنين ورفع اللجام عن أفواه الظالمين.

ومحصل القول، أنه ما دام الظلمة والطواغيت يسعون لإلغاء هذا اللجام وتكريس طغيانهم من خلال إثارة الفتن والقلاقل الداخلية وافتعال الأزمات والمشاكل على الحدود وغيرها من الحيل والمخططات الخبيثة بهدف صرف قلوب الناس وإشغالهم، نبقى نحن عبدة الظلمة نتحرك ضمن الخطة المعدة لهدم هذا الركن الأساسي لصرح السعادة.

والحق أن ما نتبعه من أساليب التزوير والخداع يعجز عن الإتيان بها دهاة العرب، بل دهاة العالم أجمع.

وبعد أن خابت ظنون كلتا الشعبتين الاستبداديتين، الحكومية والدينية، من الوصول إلى مقاصدهم بمثل تلك الحيل والمؤامرات، أقدموا على هدر دماء وأموال وأعراض المسلمين والسير على ما سار عليه جنكيز خان.

أما نحن عبدة الظلمة فأخذنا نوجه ونبرر كل هذه الجرائم الشنيعة بدعوى أن سلب الصفات الخاصة بالذات الإلهية المقدسة عن الجبابرة والطواغيت ينافي الدين، ويوجب الخروج من ربقة المسلمين، وألبسنا البدعة الاستبدادية في الحكم التي ابتدعها معاوية بن أبي سفيان ثوباً الدين وعلى أنها تمثل الحكم الديني، وبهذه التهمة التي تتنافى وضروريات الإسلام انتهكنا حرمة الدين الإسلامي القويم، وبهذا الإفك والبهتان العظيم أسأنا إلى سمعة المذهب الجعفري ـ على مشيّده أفضل السلام ـ وجعلناه في موقف حرج، وقللنا من شأنه لدى سائر الفرق الإسلامية.

نعم، إذا كان طلب العلم بهدف الحصول على حطام الدنيا ونهب أموال الناس فهو كاصطحاب المصباح أثناء السرقة وكتعليم مبادئ السطو والاختلاس، وسيؤدي بالنتيجة إلى هذا القبيل من الاعتداءات والانتهاكات، ولنعم ما قيل: إن إعطاء السيف للرجل المخمور أفضل من حصول الجاهل على العلم.

 

 

 

 

الفصل الخامس

صحة تدخل النواب وبيان وظائفهم وشرائط مشروعيتها

 

في ذكر شرائط صحة ومشروعية تدخل نواب الأمة في الأمور السياسية، وبيان وظائفهم العملية، وهو في مقامين:

 

المقام الأول:

وهو في الشروط المعتبرة في صحة ومشروعية تدخل مبعوثي الأمة في الوظائف الحسبية العامة. وقد ظهر مما سبق أن الشرط الوحيد هو حصول الإذن من المجتهد النافذ الحكومة واشتمال المجلس الوطني على عدة من المجتهدين العدول المطلعين على واقع السياسة كما جاء في الفصل الثاني من الدستور بشكل تام وواضح وفوق المأمول بحمد الله، ولا يوجد شرط آخر في هذا المجال.

إذن فأهم ركن في هذا الموضوع هو اكتمال الشروط والاتصاف بالكمالات النفسية المطلوبة في مثل هذه الموارد، وأهمها:

1ـ الإحاطة العلمية الكاملة في باب السياسة، وبتعبير آخر الاجتهاد فيها؛ كأن يكون خبيراً بالأصول الدولية المتعارفة ومطلعاً على دقائق الحيل المتداولة بين الدول وخفايا الأمور وعارفاً بالمسؤوليات المناطة به ومقتضيات العصر. وبانضمام هذه الصفة إلى فقاهة المجتهدين المنتخبين لتمحيص الآراء وتطبيقها على الجوانب الشرعية تتكامل القوة العلمية اللازمة في مجال الإدارة السياسية للأمة وتحصل النتيجة المقصودة إن شاء الله تعالى.

2ـ الخلو من الأغراض والأطماع الخاصة؛ لأن وجود أي شائبة من الطمع وحب الرئاسة ونفوذ الرأي ـ لا سمح الله ـ من شأنه تحويل الاستبداد الشخصي إلى استبداد جماعي أسوأ حالاً من الأول، بل يفترض في المنتدب أن يكون إلى جانب ذلك منزّهاً عن سائر الأوصاف الرذيلة كالبخل والجبن والحرص، وذلك ما يظهر من وصية الأمام علي(عليه السلام): "ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جباناً يُضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزيّن لك الشره بالجور"([83]).

3ـ أن يكون غيوراً على دينه ودولته ووطنه الإسلامي وعلى عامة المسلمين، بحيث يعتز بجميع حدود وثغور البلد أكثر من اعتزازه بأملاكه الشخصية ألف مرة، وأن يرى دماء وأعراض وأموال أفراد الشعب كما يرى روحه وعرضه وناموسه الشخصي، وأن يكون للناموس الأعظم ـ وهو الدين ـ في قلبه المكانة الأسمى ممّا عداه، ويليه بالدرجة الثانية حراسة استقلال الدولة الإسلامية التي هي وظيفة الجميع.

وبالنسبة للفرق غير الإسلامية فإنه يجب دخولهم في الانتخابات، وذلك نظراً لاشتراكهم مع المسلمين في الجوانب المالية، ولكي تأخذ صيغة الشورى طابعها الشمولي والرسمي الكامل. وإذا ما انتخبوا أشخاصاً من صنفهم فإن المدار في صحة انتخابهم هو اتصافهم بالأوصاف المذكورة؛ ولا ينبغي توقع حماية الدين منهم، بل يطلب منهم الحرص على خير الوطن والمواطنين. وبالجملة فإن الهدف من عقد مجلس الشورى هو النظر فيما يصدر عن ولاة الأمور وإقامة الوظائف الراجعة إلى انتظام أمور البلاد وحفظها وسياسة أمور الأمة وإحقاق حقوقها. وليس الهدف إقامة حكومة شرعية وإصدار الفتاوى وإقامة صلاة الجماعة. والشروط المعتبرة في باب الأمور الدينية العبادية أجنبية عمّا نحن فيه. وكذلك الصفات التي ذكرناها لا علاقة لها بأبواب العبادات؛ فوجود المجتهدين وحصر وظيفتهم الرسمية بالحيلولة دون ظهور مواقف مخالفة للشريعة يعد كافياً إذا كان العمل خالصاً من الأغراض الخاصة.

إذن، فبعد استحكام هذا الأساس من السعادة ـ بعون الله تعالى وحسن تأييده ـ فإن أول وظيفة تقع على عاتق المتدينين والوطنيين الإيرانيين هي أن يفتحوا أعينهم وآذانهم في مسألة الانتخاب النيابي تماماً، وأن يتجنبوا في هذا المجال الأغراض الشخصية، كقرابة زيد وصداقة عمرو وعداوة بكر، وأن لا يكونوا مصداقاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "شر الناس من باع دينه بدنيا غيره"([84])، كما يفعل البعض من عبدة الظلمة. فعلى الجميع أن يضعوا نصب أعينهم لماذا الانتخاب؟ وما هو الهدف المتوفر من إقامة الانتخابات؟ ومن هم المنتخبون؟ فمن وجدوه متصفاً حقاً بتلك الأوصاف وافياً بالمقصود بحيث يتمكنون من الخروج من عهدة الجواب لو سئلوا عنه في محكمة العدل الإلهية فلينتخبوه.

 

المقام الثاني

في بيان الوظائف العلمية للمنتدبين على وجه الإجمال.

ومن اللازم أولاً: أن نبيّن أصول الوظائف السياسية لعصر الغيبة، مع غض النظر عن مغصوبية مقام الولاية، لنخرج بعدها بصورة واضحة عن الواجب الذي ينتظرنا في الوقت الحاضر.

1ـ إن أول وأهم الوظائف في هذا الباب هو ضبط الخراج وتنظيم موارد الدولة ومصارفها. ومن البديهي أن حفظ النظام وصيانة بيضة الإسلام لا تتحقق إلا بتشكيل قوى داخلية خاصة تقوم بحماية الثغور والحدود، ومن الواضح أيضاً أن جميع هذه الترتيبات متوقفة على تصحيح وتعديل الخراج، وحفظه من الوقوع في أيدي الطواغيت يتصرفون فيه بما تملي عليهم أهواؤهم وشهواتهم. كما صرح به أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر حيث قال (عليه السلام): "وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال للخراج وأهله"، إلى أن قال: "ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً"([85]). إلى آخر ما كتبه صلوات الله عليه.

وكما هو واضح من وقائع صدر الإسلام بعد الهجرة وقبل الفتوحات الإسلامية واستيلاء المسلمين على الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة، فإن السيرة النبوية المقدسة كانت مستقرة على توزيع الأموال على عموم المسلمين والمعاهدين من اليهود وغيرهم بنحو متساوٍ مع الأخذ بنظر الاعتبار قدرتهم المالية. وكان الالتزام بهذا من جملة شروط معاهدة المعاهدين، وما كان ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حصن يهود بني النظير وتشريفه إياهم بقدومه إلا لأجل المطالبة بالحصة من الدية الواردة على المسلمين، حيث كانت واردة عليهم أيضاً بموجب نص المعاهدة التي نقضها اليهود، فرد عليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإجلائهم عن أرضهم([86]).

وفي العصر الذي أصبحت فيه الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة مجهولة ولا يمكن تعيينها، وقد استقرت أيدي المالكين عليها، وهناك احتمال استناد هذا الاستقرار إلى أثر شرعي صحيح بحيث يلغي أهمية فرض معلوميتها، لذا فإننا لا يمكننا إجراء أحكام الأراضي الخراجية عليها. ولذا فمن أجل تصحيح الأعمال المتعلقة بالأمور المالية نسير على السيرة النبوية المقدسة في صرفها في المصارف اللازمة لحفظ البلاد، وذلك بإخراجها من أفواه الناهبين الأجانب الذين ابتلعوها نتيجة لخيانة بائعي الوطن وتوزيعها بطريقة علمية صحيحة، وبنسب متساوية على طبقات أرباب الأملاك والتجارات والمواشي وغيرهم، مع الأخذ بنظر الاعتبار القدرة المالية والتمكن من الانتفاع، وإيصالها كذلك إلى الموظفين والعمال بالمقدار المتناسب مع خدماتهم للشعب، وحفظها من أن تنهب وتصرف في أنحاء الفجور والفسق والشهوات التي قصمت ظهر الدين والدولة والبلد والشعب بهذا الشكل الذي نراه. وعليه فيجب أن تكون هناك هيئة تراقب أمر المالية وتحفظه عن تلك الحالة.

وبعد تصحيح أمر الخراج بهذه الطريقة وطبقاً للسيرة النبوية المقدسة يجب على كل مسلم أداء الخراج نظراً لتوقف حفظ البلاد الإسلامية عليه. ويجوز لكل موظف أن يأخذ منه ما يتناسب والخدمة التي يقدمها دون تجاوز.

ومن البديهي بمكان أن الناهبين للثروات، سواء كانوا من المعممين أو المتطربشين، لا يقتنعون بالقدر المذكور بعدما اعتادوا على النهب والتطاول المخل باقتصاد البلد، والمؤدي إلى هلاك الشعب وفقره، بل إن ذلك من المحالات، وأنهم وبمجرد دخول المنتدبين في الطريق الذي يؤدي إلى التسعير وليقطعوا عليهم التجاوز والإقطاع سيتحفّزون ويتحشّدون ضدهم.

ولكن مع هذا كله يبقي الأمل معقوداً على دخول المنتدبين في هذا الباب ـ إن شاء الله تعالى ـ من طريق الحكمة والكياسة لتأسيس هذا الأساس الصحيح، وتشييد هذا البناء المحكم، بما يمكننا من إرجاع الأجيال اللاحقة إلى فطرتهم الإسلامية الأصيلة، وتهذيب الأخلاق وإكمال القوى العلمية والعملية لعامة الموظفين والكوادر الإسلامية، وتنزيه المسلمين عن الزدائل الموروثة التي لحقت بهم من معاوية وسائر أغصان شجرته الأموية الملعونة، وذلك بواسطة إحداث مكاتب ومدارس كافية في كل الجهات.

ويجب على الجميع أداء الخراج الذي هو ضريبة شرّعت لحفظ البلاد الإسلامية ورعاية النظام فيها، كما هم عليه من عدم التكاسل في أداء سائر الحقوق الإلهية المقررة في الدين الإسلامي. ويجوز، بل يلزم صرفه في المصارف المذكورة وطبقاً للطريقة المشار إليها آنفاً، وعلى قدر الخدمات التي يقدمها مستحقوه للمجتمع، وبعد حفظه من الحيف والأهواء. أما في الحالة الحالية وحيث يكون أخذه واستيفاؤه وصرفه طبقاً للشهوات الطاغوتية والمظالم الاستبدادية فإن أداءه حرام في حرام، وبعد التصحيح والتسوية والضبط والترتيب يصبح أداؤه واجباً كسائر الواجبات المشرعة لحفظ النظام وصيانة حوزة الإسلام.

وفي هذا الصدد يحسن بنا ذكر التوجيهات الصادرة من الإمام علي (عليه السلام) بهذا الشأن، لأجل أن يعرف أن كل ما عند الأجانب إنما هو غيض من هذا الفيض. ولنعرف إلى أي درجة ظلمنا أنفسنا عندما قنعنا من التشيع بمحض الادعاء.

قال الإمام علي (عليه السلام) في خطبته الواردة في بيان حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي:

"أما بعد؛ فقد جعل الله (سبحانه) لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحق مثل الذي لي عليكم؛ فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان خالصاً لله سبحانه دون خلقه؛ لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلاً منه، وتوسّعاً بما هو من المزيد أهله.

ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولا يستوجب بعضها إلاّ ببعض، وأعظم ما افترض [الله] سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي؛ فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاماً لأنفسهم (لألفتهم)، وعزّاً لدينهم؛ فليست تصلح الرعية إلاّ بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعية؛ فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقّها، عزّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطُمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، أو أحجف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتُركت محاجّ السنن، فعُمل بالهوى، وعُطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس؛ فلا يستوحش لعظيم حق عُطّل، ولا لعظيم باطل فُعل؛ فهنالك تذل الأبرار، وتعز الأشرار، وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد. فعليكم بالتناصح في ذلك، وحسن التعاون عليه، فليس أحد ـ وإن اشتد على رضا الله حرصه، وطال في العمل اجتهاده ـ ببالغ حقيقة ما الله سبحانه أهّله من الطاعة له، ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم". إلى أن قال (صلوات الله عليه): "وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يُظنّ بهم حب الفخر ويوزع (ويوضع) أمرهم على الكبر". إلى أن قال (صلوات الله عليه): "فلا تكلِّموني بما تُكلَّمُ به الجبابرة..."([87]).

ونوكل البحث في القواعد والفوائد المستفادة من فقرات هذه الخطبة ـ وكون أصل علم الحقوق، الذي دوّنه حكماء أوربا وافتخروا به، مأخوذاً من أشباه ونظائر هذه الخطبة ـ إلى رسالة أخرى نكتبها بعد هذه إن شاء الله تعالى.

2ـ ومن الوظائف والمهام التي يجب على نواب المجلس القيام بها هي النظر في عملية وضع القوانين، وضبطها، وإحراز تطابقها مع الشريعة الإسلامية، والقيام بنسخها أو تغييرها إذا ما دعت الظروف لذلك.

اعلم أن كل الوظائف المتعلقة بتنظيم شؤون البلد والمحافظة عليه وتدبير أمور وشؤون الشعب سواء كانت أحكاماً أولية متكفلة لأصل القوانين العملية الراجعة للوظائف النوعية، أو ثانوية متضمنة عقوبات مترتبة على مخالفة الأحكام الأولية، لا تخرج عن هذين القسمين، لأنها بالضرورة إما أن تكون أحكاماً نص عليها الشرع فهي وظائف عملية ثابتة في الشرع، أو لم ينص عليها الشرع فهي موكولة إلى نظر الولي لعدم اندراجها تحت ضابط خاص، وبالتالي عدم تعيين الوظيفة العملية فيها. والقسم الأول لا يختلف باختلاف الأعصار وتغيّر الأمصار، ولا يجزي فيه غير التعبد بمنصوصه الشرعي إلى قيام الساعة، ولا يتصور فيه أي وضع آخر أو وظيفة أخرى، بينما يكون القسم الثاني تابعاً لمصالح الزمان ومقتضياته، ويختلف باختلاف الزمان والمكان، وهو موكول لنظر النائب الخاص للإمام (عليه السلام)، وكذا النواب العموميين (الفقهاء)، أو من كان مأذوناً عمّن له ولاية الإذن بإقامة الوظائف المذكورة.

وبعد وضوح هذا المعنى، وبداهة هذا الأصل، تترتب جملة فروع سياسية عليه، هي:

أ ـ إن القوانين والمقررات التي يجب التدقيق والمراقبة في مدى انطباقها على الشريعة هي تلك التي تكون من القسم الأول، ولا موضوع لها في القسم الثاني بتاتاً.

ب ـ إن أصل الشوروية التي عرفت أنها أساس الحكم الإسلامي بنص الكتاب والسنة والتي ابتنيت السيرة النبوية عليها هو من القسم الثاني لا غير.

وأما القسم الأول، فخارج عن هذا العنوان، إذ لا محل للمشورة فيه.

ج ـ كما أن ترجيحات الولاة المنصوبين من قبل الإمام (عليه السلام) في عصر حضوره وبسط يده تكون من أحكام القسم الثاني وملزمة شرعاً لا يجوز التخلف عنها، حتى إن طاعة ولي الأمر ذكرت في عرض طاعة الله ورسوله، بل وجعلت طاعة الولي والرسول في عرض طاعة الله سبحانه أيضاً، كما في الآية المباركة: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}([88])، وهذا ما عُدّ من معاني إكمال الدين بنصب ولاية يوم الغدير، كذلك تكون ترجيحات النواب العموميين أو المأذونين من جانبهم في عصر الغيبة ملزمة شرعاً بمقتضى نيابتهم الثابتة القطعية. وهكذا يتضح فساد الهفوات والأراجيف التي ضرب على وترها المغرضون، حيث زعموا أن الإلزام والالتزام بهذا القانون يكون بدعة من البدع لأنه بلا ملزم شرعي. وظهر أيضاً أن منشأ ذلك هو الأغراض الفاسدة وعدم الاطلاع على مقتضيات أصول المذهب.

د ـ وبما أن معظم السياسات النوعية داخلة في القسم الثاني، ومندرجة تحت ولاية ولي الأمر أو نائبه الخاص أو نائبه العام وترجيحاتهم، وأصل تشريع الشوروية في الشريعة المطهرة هو بهذا اللحاظ، لذا يجب تدوينها بصورة قانونية، نظراً لتوقف حفظ النظام وضبط أعمال المغتصبين ومنعهم عن التجاوز والاعتداء عليها، ومنوط بتدوينها. ويوكل أمر القيام بهذه الوظيفة الحسبية ـ تدوين القوانين ـ مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصيات الحالة الراهنة التي نحن عليها وتوقف رسميتها ونفوذها على صدورها عن المجلس النيابي، يوكل هذا الأمر إلى دراية نواب الأمة ومدى كفاءتهم؛ فإذا قاموا بذلك، وكان عملهم ممضى من قبل من له الإذن والإمضاء كما تقدم سابقاً، كان جامعاً لجميع شروط الصحة وجهات المشروعية، وخالٍ من كل شبهة أو شائبة إشكالٍ. وهذا هو المعنى الذي نقصده من قولنا إن الهيئة المنتخبة هي القوة العلمية المقننة في البلاد. ومن هذا يظهر فساد شبهة المغرضين القائلين تحكماً إن نفس عملية التقنين لهذه القوانين إنما هي مقابلة لمقام النبوة.

ومزيداً على ما سبق يتضح لنا أن القيام بهذه المهمة إنما هو واجب حسبي يتوقف عليه حفظ النظام وضبط التصرفات الغصبية.

هـ ـ إن القسم الثاني من السياسات النوعية ـ كما مر آنفاً ـ لا يمكن جمعه في إطار ضابطة معينة، وليس محدداً بميزان مخصوص، وإنما يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، ويتغير بتغير المصالح والمقتضيات. ولذا لم تنص الشريعة المقدسة عليه، بل أوكلته إلى ترجيح من له الولاية. وكذلك فإن القوانين المتعلقة بهذا القسم متغيرة بتغير المصالح والمقتضيات وواقعة في معرض النسخ والتغيير، وليست مبنية على أساس أن تكون أبدية دائمية.

ومن هنا يتضح أن من الأهمية بمكان أن يكون هناك قانون يتكفل بجميع هذه المصالح والمقتضيات ويكون متغيراً.

ويتضح أيضاً أنه إلى أي حد يكون هذا القانون أمراً صحيحاً، ولازماً، ومطابقاً للوظيفة الحسبية.

والحق أن كمال الحيرة في أمر هذا الأجنبي غير المطلع على الدقائق الإسلامية كيف استطاع أن يستفيد من هذه الوظائف المهمة استفادة دقيقة صحيحة؟! وأعجب من ذلك أمر أولئك المنتحلين للإسلام الجاهلين أو متجاهلين بمقتضيات الأصول المذهبية الذين يرددون مغالطات سفسطائية، ضربوا عليها بألحان مختلفة، تشويشاً لأذهان العوام والبسطاء! حيث أوردوا على هذا النوع من الأحكام المتغيرة قائلين: هل هو عدول عن الواجب إلى الحرام، أم عن الحرام إلى الواجب؟ أم عن المباح إلى المباح الآخر؟!

والحق أنه ليس من هذه الأقسام، وإنما هو عدول عن فرد واجب إلى فرد واجب آخر، والقدر المشترك أن حفظ النظام وسياسة أمور الأمة واجب حسبي، واختيار الأفراد تابع لخصوصيات المصالح، ومقتضيات العصور، وترجيح من له ولاية النظر في الأمور. وكذلك الأمر في العدول من فرد إلى آخر بلحاظ الأصلحية، فإنه يكون لازماً.

3ـ ومن الوظائف السياسية اللازمة لممثلي الشعب أيضاً تجزئة وتصنيف قوى الدولة، ووظائفها بحيث تعود كل شعبة منها إلى ضابط صحيح وقانون عملي؛ والنظر في ذلك يعود إلى دراية وكفاءة العاملين في الدولة. وقد أرجع المؤرخون الفرس ظاهرة تقسيم العمل في الدولة إلى جمشيد([89]). وقد أمضاها أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده المعروف إلى مالك الاشتر حيث جاء فيه:

"واعلم إن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض؛ فمنها جنود الله، ومنها كتّاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها التجار وأهل الصناعات". إلى أن يقول (عليه السلام): " فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعزّ الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم، ثم لا قوام للجنود إلاّ بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتّاب لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها، ولا قوام لهم جميعاً إلاّ بالتجار وذوي الصناعات"([90]). إلى آخر ما كتبه (صلوات الله عليه).

إن تصنيف الدوائر التابعة للوزارات ضمن الأصناف المذكورة أمر واضح في الدول المتمدنة، ومن الممكن إدراج أعمال وزارة المالية والداخلية والمكاتب ضمن عنوان الكتّاب، وإدراج المحاكم ضمن عنوان القضاء. أما وزارة الخارجية في عصرنا فلم يكن لها محل في ذلك العصر.

وبعد تلك الإيضاحات التي قدّمها الإمام (عليه السلام) أخذ يشرح عن كل طبقة من الطبقات ويبيّن مزاياها، ويصفها بأوصاف هي في عصرنا أندر من الكبريت الأحمر.

وقد كان المرحوم سيّدنا الأستاذ سماحة آية الله العظمى الميرزا الشيرازي (قدس سره)([91]) مشغوفاً بمطالعة هذا العهد ومواظباً على الاقتباس من أنواره. وحريّ بنا أن نجعله أنموذجاً لنا في جميع أعمالنا السياسية والشرعية، كل بمقدار وبحسب ما يقوم به من الأعمال والمسؤوليات، وأن نتمثل هذه السيرة الحسنة، وأن لا نهمله نحن ويهتم بنقله وترجمته الأوربيون إلى لغاتهم.

ونختم هذا الفصل مكتفين بما قدمناه من استقصاء لأصول الوظائف السياسية موكلين بقيته إلى عهدة النواب وكفاءتهم، ودراية هيئة المجتهدين المشرفين على المجلس بعد تجديده وتشييده بعون الله تعالى.

 

الخاتمة

قوى الاستبداد وطرق مكافحته

 

وهي تشتمل على مقصدين:

 

المقصد الأول

في استقصاء منابع الاستبداد وقواه الملعونة

وهي:

1ـ الجهل وعدم اطلاع الشعب على حقوقه ووظائف الدولة: وهو الأصل والمنشأ وروح كل القوى والمنابع الأخرى. فكما أن العلم ينبوع لكل الفيوضات والسعادات، كذلك الجهل منبع لكل الشرور وموصل إلى أسفل الدركات.

الجهل هو الذي يدعو الإنسان إلى عبادة الأوثان وإشراك الفراعنة والطواغيت في أسماء وصفات الذات الأحدية، وهو الذي يؤدي به إلى الشقاء والبؤس ونسيان حريته ومساواته في الحقوق مع الجبابرة والطواغيت؛ فتراه يضع طوق الرقّية والعبودية على رقبته بكلتا يديه، ويغفل عن أعظم المواهب والنعم التي أغدقها الله سبحانه وتعالى عليه وبعث من أجلها الرسل والأنبياء ألا وهي الحرية، بل إنه يعدها ضرباً من الخيال والوهم!

والجهل هو الذي يدعو الإنسان الصوري السائر بسيرة البهائم إلى بذل ما يملك من القوى في سبيل إحكام أساس رقّيته واستعباد الآخرين له؛ فبدلاً من أن يجد ويجتهد في سبيل خلاصه واستنقاذ إخوته في الدين والوطن من أنياب الاستعباد والاسترقاق، وبدلاً من المطالبة بالحرية والسعادة لهم، تجده يسفك دماءهم وينهب أموالهم، ويهتك أعراضهم، زاعماً أن الاستهتار بالدين والقيم ضرباً من الشجاعة والشهامة، وخدمة الوطن والدولة! ومن بواعث الشرف، فهم يقومون بقتل وأسر العلماء والسادات والأخيار والأحرار، ويفتخرون بهتك أعراضهم ونهب أموالهم، ولا يعتريهم أي خجل في أن يكونوا في عداد اليزيديين، شأنهم في ذلك شأن أراذل الكوفة وأوباش الشام!

ومن غباء هذا الصنف من الحيوان الذي يسير على قدمين، والذين هم أضل من الأنعام، أنهم يتحدون مع أعدائنا الروس الذين لم يكن لهم همّ إلاّ محو الدين والدولة واستئصال الأمة وابتلاع البلاد، ويرتكبون مثل هذه الشنائع باسم الدين وبعنوان خدمة الدولة، عوضاً عن بذل النفس والنفيس في سبيل حفظ الدين وحراسة الوطن الإسلامي.

إن السجود للفراعنة والطواغيت، وعبادة الهنود للأبقار، وتملّك الأمويين والعباسيين لرقاب الناس، وتبعية الإيرانيين وغيرهم من المسلمين لكل ناعق وميلهم مع كل هوى، وغفران البابوات ذنوب أمّتهم الخاطئة، وجلوس اليهود انتظاراً للنبي الموعود، واعتقاد الأزليين والبهائيين في صاحبهم أنه خالق العالم والفاعل لما يريد، وتبعية المسلمين لعبدة الظلمة وبقايا خوارج النهروان في آخر الزمان، وغير ذلك من الشنائع والفضائح، ما هو إلاّ نتيجة من نتائج الجهالة التي هي أمّ الشرور والأمراض. وما وقع بلاء على رأس أمة أو سيقع منذ ابتداء العالم إلى حين انقراضه إلاّ وهو ناشئ من هذه الأم الخبيثة، وإحصاء بعض ذلك يحتاج إلى دفاتر وطوامير، وهو خارج عن وضع هذه الرسالة الموضوعة على سبيل الاختصار.

2ـ شعبة الاستبداد الديني: وهي القوة الملعونة الثانية التي عرفنا حقيقتها بنحو مجمل في المقدمة. وهي أخطر من باقي القوى ويصعب علاجها إلى حد الامتناع، لأنها راسخة في القلوب ومعدودة من لوازم الدين، وحقيقتها عبارة عون الإرادات التحكمية التي يبديها المتلبسين بزي الرئاسة الروحية بعنوان الدين، والذين خدعوا الشعب ـ اعتماداً على جهالته وعدم خبرته بمقتضيات الدين ـ بوجوب طاعتهم. وعرفت أيضاً أن هذه الطاعة والاتباع الأعمى ولعدم استنادها إلى حكم إلهي هي الأخرى معدودة في مراتب الشرك بالذات الأحدية بنص الآية المباركة: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم}([92]).

والأخبار الواردة بشأن هذه الآية فسّرتها بعبادة الأحبار والرهبان([93]). كما أن رواية الاحتجاج التي مرت الإشارة إليها آنفاً تساعد على ذلك أيضاً.

إن هذه الشعبة تعتبر من إنشاء وابتكار وبدع معاوية بن أبي سفيان، وقد سخّرها في حربه ضد الإمام علي (عليه السلام) حينما جمع حوله عدة من عبيد الدنيا أمثال عمرو بن العاص ومحمد بن مسلم ومسلم بن مخلد والمغيرة بن شعبة وأشباههم من الذين كانوا يعدون في أنظار العوام في عداد الصحابة.

وبهذا الاعتبار حصلوا على نفوذ بين الناس وكلمة مسموعة لدى العوام. وقد كرّسوا ذلك من أجل تفريق الكلمة عن الإمام علي (عليه السلام).

ومن جهة أخرى كان معاوية آيساً من معونة أبي موسى الأشعري له، ولكنه كان يكتفي منه بالاعتزال وخذلان الإمام (عليه السلام)؛ فإن صدور ذلك من مثل أبي موسى الأشعري كان من شأنه خداع الناس عن الحق. وعلى أساس ذلك أحكم معاوية أساس الاستبداد في تاريخ الإسلام اعتماداً على تلك الفئة التي قادها زخرف الحياة الدنيا إليه وسكوت الطائفة الأخرى واعتزالها عن عالم السياسة. وبمرور الوقت أخذ الاستبداد الأموي بالاستحكام والاشتداد حتى انتهى برواج سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على منابر المسلمين الذين سمعوا ذلك ووعوه، لكنهم راعوا مصالحهم واعتباراتهم الشخصية، فانقسموا بين معين له على هذا الكفر العلني وساكت عليه! فكانوا قاعدة استعان بها طواغيت الأمويين والعباسيين وأخلافهم على تملك رقاب الأمة ومحو أحكام الشريعة الإسلامية؛ فقد كانوا دائماً يسيرون على سيرة معاوية هذه من الاستعانة بمساعدة قوم وسكوت قوم آخرين.

وبمرور الأجيال والعصور استحكم الاتحاد بين الاستبداد السياسي المأخوذ من سيرة معاوية والاستبداد الديني الموروث من أمثال عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري. وهذا الاتحاد بين الشعبتين الذي وصل إلى الدرجة الحالية أصبح سبباً لنفوذ الكلمة والطاعة الكاملة. كما أصبحت مساعدة شعبة الاستبداد الديني أو سكوتها رأس مال يشترى ويباع، فيضلل به هؤلاء العوام الذين هم كالأنعام أو أضلّ سبيلاً، ولا بيان بعد العيان ولا أثر بعد عين، ولنعم ما قيل:

إن الماء العذب يبقى عذباً والماء المالح يبقى مالحاً

     وكل شيء يبقى على طبيعته إلى يوم النفخ بالصور([94]).

ومضمون هذا البيت مأخوذ من الأخبار الواردة عن طينة الإنسان([95]).

3ـ ومن تلك القوى المشؤومة أيضاً التزلّف للسلطان وإظهار الخضوع له، حتى يصبح بديلاً عن الكفاءة العلمية والعملية وسائر الامتيازات الحقيقية، وتكون النتيجة إن الرجل يُمنح المنصب في ضوء ما يبديه من التزلف، وبمقدار ما يقدمه من الخضوع للسلطان يفوض إليه من زمام الأمور.

إن تكريس هذه الظاهرة هو من أخطر المقدمات المؤدية لاستعباد رقاب الأمة، ولها درجات مختلفة باختلاف درجات استرقاق الأمة؛ وهي التي جعلت الجهل والخمول بحالة لا يرجى معها علاج ناجع، وأُبعدت عوامل العلم والمعرفة وسائر موجبات السعادة للحياة الوطنية عن البلاد، وبالتالي فإنها تقضي على طاقات البلد وتجعل الجميع أمام الأجنبي كصغار العصافير في مخالب الصقر، حتى أصبحت الأمة بأمسّ الحاجة إلى أشياء طالما كانت متنعمة بها وعلى أحسن حال.

إن انتشار ورسوخ هذه الظاهرة جعل حتى المتلبسين بزي أهل العلم ـ فضلاً عن العوام ـ يزينون للناس المشاركة فيها! رغم قيام الضرورة من الدين على حرمة إعانة طواغيت الأمة في فاعلية ما يشاؤون والحاكمية بما يريدون، وإنها من أعظم مراتب الشرك بالذات الأحدية. فيظهر ذلك على أنه دين، ويقدمون على هذه الوصمة الشائنة في ساحة الدين الإسلامي، ويحملون الناس على بذل ما عندهم في سبيل هذه العبادة الصنمية من حيث لا يشعرون، وبذا أصبح كل دنيء وسارق وغير كفوء يمسك بزمام الأمور ويملك الرقاب، وينتزع بكمال القوة والشوكة، ومن دون جهد واستحقاق، كل ما تحت يد هؤلاء الأرقّاء الأذلاّء. وبسبب جهله ودناءته وخلوّه من الغيرة الوطنية والدينية يبيع جميع ثروات الشعب وإمكانات البلاد ويعرض استقلال المسلمين إلى الخطر، وذلك بإبرام معاهدات مشؤومة مع الأجنبي الغائم ويذلّنا نحن الإيرانيين شعباً وبلاداً حتى نكون أذل من قوم سبأ، مقابل الحصول على أقل نفع شخصي ومطمع خاص.

إن التفتت والفرقة في الدولة والشعب والتنافر القائم بين الأمة والسلطان وهلاك الحكم السابق، إنما هو من نتائج خيانات هذه القوة الخبيثة. إن توغلهم البعيد في اغتصاب ثروات الأمة وإمكاناتها يجعل قلوب الرعية متنفرة من السلطان، كما أن إظهارهم الولاء المطلق له والتزلف أمامه وادعاءهم حراسته والذود عنه من هجوم الأمة عليه يوجب تنفر السلطان من الأمة. وبحكم التجربة والتأريخ تكون النتيجة بمثل هذا الحكم هو الزوال والانقراض. وهذا ما لم يغفل عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد كتب في عهده إلى مالك الأشتر محذّراً إيّاه من هذه الفرقة ومن مساعدتها وإعانتها قائلاً:

"وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنةً في الرخاء وأقل معونة له في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقلّ شكراً عند الإعطاء وأبطأ عذراً عند المنع وأضعف صبراً عند ملمّات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صفوك لهم وميلك معهم...".

ومراده من أهل الخاصة هو هذه الفرقة الطفيلية المتزلفة للسلطان.

ويقول (عليه السلام) أيضاً في لزوم قطع دابر هؤلاء: "ثم إن للوالي خاصة وبطانة، فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة؛ فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وخاصّتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضّر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤنته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة، والزم الحق من لزمه القريب والبعيد..."([96]). إلى آخر ما كتبه صلوات الله عليه وآله الطاهرين.

4ـ ومن القوى المشؤومة أيضاً إلقاء الخلاف بين الشعب وتفريق كلمته، وبالرغم من أن أصل هذه القوة الخبيثة وأساسها وتحققها في الخارج وصورها مستمد من الاستبداد الديني وعبادة السلطان، وغير مستقل عنه، وإن هذا يلزم منه أن لا يكون في عرضه، ولكن بما أن عمليات الاستعباد التي وقعت في التاريخ قديماً والتي تقع حالياً على الأمم تنتهي إلى تفرق الكلمة الوطنية والشعبية، وإن القوى الثلاث المتقدمة هي بمثابة المقدمات لها والعوامل المعدة لها، والتفرق بمثابة النتيجة والجزء الأخير من العلة، لهذا كانت جهات الاستعباد في لسان الآيات والأخبار مستندة إلى هذه النتيجة؛ قال عز من قائل: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم}([97]).

وكلمة شيع تعني متفرقين. وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن عملية التفرعن والاستعباد تحدث نتيجة لهذا التشتت وتفرق الكلمة. وللإمام علي (عليه السلام) في الخطبة القاصعة التي نقلنا منها في المقدمة نصوصاً تتعلق بحقيقة الحكم الاستعبادي تصريحات مهمة أحببنا نقلها هنا من أجل تشخيص الداء وتتبع الدواء ولغرض إطلاع أولئك المتشيعين المخلصين الخالين من شوائب الأغراض الاستبدادية الاستعبادية على توجيهات إمامهم وسيرته العلمية اللازمة الاتباع، رغبة في التنبيه على شناعة التزلف إلى الظلمة والتقرب إليهم وقبح عدم موافقتهم على استنقاذ حريتهم المغتصبة.

قال (عليه السلام): "واحذروا ما نزل بالأمم من قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم؛ فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم، فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم، وزاحت الأعداء له عنهم، ومدت العافية فيه عليهم، وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم، من الاجتناب للفرقة واللزوم للألفة والتحاضّ عليها والتواصي بها، واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم وأوهن متنهم، من تضاغن القلوب وتشاحن الصدور وتدابر النفوس وتخاذل الأيدي. وتدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم، كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء، ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباءً، وأجهد العباد بلاءً وأضيق أهل الدنيا حالاً، اتخذتهم الفراعنة عبيداً فساموهم سوء العذاب، وجرّعوهم المرار، فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة، لا يجدون حيلة في امتناع، ولا سبيلاً إلى دفاع، حتى إذا رأى الله جد الصبر منهم على الأذى في محبته، والاحتمال للمكروه من خوفه، جعل لهم من مضائق البلاء فرجاً، فأبدلهم العز مكان الذل والأمن مكان الخوف، فصاروا ملوكاً حكّاماً وأئمةً أعلاماً، و[قد] بلغت الكرامة من الله لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم، فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة والأهواء متفقة [مؤتلفة] والقلوب معتدلة، والأيدي مترادفة، والسيوف متناصرة، والبصائر نافذة، والعزائم واحدة؛ ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين، وملوكاً على رقاب العالمين؟! فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة وتشتتت الألفة وأختلفت الكلمة والأفئدة، وتشيعوا [تشعبوا] مختلفين وتفرقوا متحاربين، قد خلع الله عنهم لباس كرامته وسلبهم غضارة نعمته وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين ـ منكم ـ. واعتبروا [فاعتبروا] بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل (عليهم السلام)، فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال، تأمّلوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يختارونهم [يجتازونهم] عن ريف الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ومهافي الريح ونكد المعاش، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر، أذلّ الأمم داراً وأجدبهم قراراً، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها. فأحوال [الأحوال] مضطربة والأيدي [الأيدي] مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء أزل وإطباق جهل، من بنات مؤدّة [موؤودة] وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة. فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً فعقد [بملّته] طاعتهم وجمع على دعوته ألفتهم، كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها، والتفت الله بهم في عوائد بركاتها [بركتها]، فأصبحوا في نعمتها غرقين وعن خضرة عيشها فكهين، قد تربعت الأمور بهم في ظل سلطان قاهر، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب، وتعطفت الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت، فهم حكام على العالمين وملوك في أطراف الأرضين".

إلى آخر ما أفاض (صلوات الله عليه) على الأمة من العلم والحكمة.

وفي مواقع أخر من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر الأخبار أسندت الذلة والأضمحلال والصَّغار الذي يصيب الأمم إلى تفرق الكلمة، وهذا من البديهيات الأولية؛ فإن الضرورة قائمة على أن العامل الذي يحفظ حقوق كل أمة وحريتها وناموسها الأعظم (الدين) واستقلالها منحصر بالرابطة التي تجمع أفراد الأمة، بعد أن تكون انعدمت في البين إمكانية الدفاع عند هؤلاء، وأصبحوا لا ملجأ لهم ولا مفر من الخضوع لتحكمات الأشقياء والمتجبرين، الذين أفلحوا في استئصال القوى الدفاعية لدى الأمة وأنهوا وحدتها وما يمكنها من الوقوف على قدميها في استنقاذ حريتها في الداخل ومواجهة الأعداء المهاجمين في الخارج. وبالتالي فإن أعمال القهر والاستعباد والقضاء على العلم والمعرفة ورسوخ ظاهرة التزلف للسلطان وقمع كل ما من شأنه بعث الحياة والنهوض في الشعب تؤدي جميعاً إلى الوقوع في مخالب الأجانب وتنتهي إلى حالة {تخافون أن يتخطّفكم الناس}([98]). وما حالتنا الحالية السيئة في إيران إلاّ عيان لهذا البيان ووجدان من هذا البرهان.

5ـ ومن تلك القوى الملعونة أيضاً قوة الإرهاب والتخويف والتعذيب والتنكيل المأخوذة من سيرة الفراعنة والطواغيت؛ وهي القوة المستخدمة ضد دعاة الحرية الموهوبة من قبل الله سبحانه وتعالى، وأتباع السيرة المقدسة للأنبياء والأولياء (عليهم السلام)؛ حيث يسلط عليهم الطواغيت أنواع العذاب من الأسر والقتل والتنكيل والحبس ودس السموم وهتك الأعراض ونهب الأموال، وغير ذلك من الأساليب التي لا يبقى معها أحد.

وأعمال هؤلاء القساة الطغاة ناشئة عن التشفّي من أولئك الأشراف والأمجاد، وبهدف قلع وقمع شجرة الإباء والحرية لئلاّ تسري إلى عامة الشعب، ولإرعاب الشعب من أجل أن يبقى تحت أسرهم ورقّيتهم. ولهذه الأعمال درجات مختلفة باختلاف مراتب القسوة والانسلاخ عن الفطرة الإنسانية وعدم الاعتقاد بالمبدأ والمعاد والقيامة والعذاب. وكما وصلت دورة الطواغيت والفراعنة وامتحان الأمة بالأسر والقهر والذل والعبودية في هذه الأيام إلى نقطتها الأخيرة، كذلك نشاهد وصول درجة القساوة والصلافة والابتعاد عن الدين ومتابعة مبدأ الطواغيت إلى أعلى حالاتها، حتى أصبحت الكلمة المترددة على الألسن من أن يزيد وابن زياد وشمراً وعمر بن سعد وسنان وغيرهم موجودون في كل وقت، وأن الذي يقف بوجههم دائماً هو سيد المظلومين والأحرار (صلوات الله عليه وعلى المستشهدين بين يديه)؛ أصبحت هذه الكلمة مشهودة للجميع. وقد أشارت الأخبار الواردة في باب الطينة وتشابه مكمونات ومكنونات النفوس إلى ذلك. ومنها أُخذ البيت الشعري المذكور آنفاً الذي يفيد أن الماء العذب يبقى عذباً والماء المالح يبقى مالحاً إلى الأبد.

6ـ والقوة السادسة من هذه القوى الملعونة هي رسوخ رذيلة الاستبداد والاستعباد إزاء الضعفاء في جبلّة وفطرة الأقوياء وذوي النفوذ والوجهاء، حتى انتشر القهر والاستبداد والتحكمات الشخصية بين كل الطبقات وأصبح أمراً مألوفاً بين الناس.

ومن هنا اتحد الأقوياء والوجهاء في البلد، ونتيجة لإحساسهم بأن المساواة تتنافى مع أغراضهم وجهلهم بأن حفظ دينهم وشرف استقلالهم متوقف عليها، وغلبة حب الدنيا على الآخرة، والأهواء الزائلة على الادراكات العقلية؛ نتيجة لذلك كلّه اتحد هؤلاء مع منشأ الاستبداد وأصل الاستعباد، وأصبحوا بمنزلة الأغصان والفروع لهذه الشجرة الخبيثة.

وعندما هبّت نسائم العدالة والحرية على إيران في بداية ظهور الحركة الدستورية، وعندما كان أمرها غامضاً وكان يظن أن الاستبداد أمر خاص برؤساء الحكومات فقط ولا يشمل أعوانهم، وأنه سيُسلب عن هؤلاء الرؤساء فقط، كانت جميع الطبقات من المعممين الغاصبين لزي العلماء ومن الملاكين وغيرهم تبذل كل جهدها في سبيل إقامة هذا الأساس وتدعم هذه الحركة وتنفق جميع ما عندها من أجل تنفيذ هذا المشروع ظناً منهم بأن الهلاك سيقع على الجيران، وأنه لن يطالهم، حتى إذا ارتفع الستار وتجلى ضوء النهار انقلبوا رأساً على عقب وشنت الهجمات المتتالية تحت عناوين مختلفة؛ فالاستبداد الديني صوب سهامه تحت شعار الحفاظ على الدين وأعوان السلاطين تشبثوا بالوطنية وحب الدولة، وهكذا الأمر بالنسبة إلى بقية الناهبين المحتالين ومصاصي الدماء؛ كلّ شهر السلاح الذي يجيد استخدامه بوجه الدستورية، وأصبحت أحكام الحفاظ على الدين والرد على رؤسائه المندرجة في عنوان "فإنما بحكم الله استخف وعلينا ردّ؛ والرادّ علينا كالرادّ على الله وهو في حد الشرك بالله"([99])، أصبحت هذه الأحكام كالعدم، وعادت قصة "نكثت طائفة وفسقت أخرى ومرق آخرون"([100]).

ويجدر أن نتذكر هنا مرة أخرى البيت الشعري السابق المأخوذ من الأخبار "الماء العذب يبقى عذباً والماء المالح يبقى مالحاً إلى الأبد".

7ـ ومن القوى الملعونة أيضاً مصادرة إمكانات البلاد المالية والعسكرية وتكريسها في مجال القضاء على نفس الشعب. إن انتخاب القادة العسكريين من بين الأجانب والمعاندين للدين المبين وإعطاء زمام الجيش لهم وتفويض تربية الجند إليهم، كل ذلك يهدف إلى تكريس الاغتصاب، وناتج عن إهمال وعدم مبالاة هؤلاء الجهّال الذين لا يفقهون شيئاً ولا يعرفون واجباتهم الملقاة على عواتقهم.

ولذا فهم لا يتورعون عن مخالفة الأحكام الشرعية وقتل النفوس المحترمة وهتك الأعراض ونهب الأموال وإثارة النعرات بين القبائل والعشائر. والعامل المكمّل لهذه القوة، بل إن علة علل الجميع هي الجهل الذي تنتج عنه جميع الاختلالات.

 

المقصد الثاني

إشارة إجمالية إلى علاج تلك القوى المشؤومة

وهي عبارة عن:

1ـ أول وأهم علاج هو علاج الجهل المستولي على طبقات الشعب.

والجهل إن كان من النوع البسيط فمن السهولة بمكان سلوك سبيل العلاج إليه، وذلك بشرح حقيقة الاستبداد والحركة الدستورية، وشرح ما أوردناه في المقدمة والفصول الخمسة من هذا الكتاب؛ لكن بشرط أن يتم ذلك بشكل ملائم وبالابتعاد عن العنف والخشونة وبتنقية الأذهان عن الشوائب الشيطانية والتحرز من كل ما من شأنه إيجاد الحساسية والنفور وتصدّع القلوب، والاحتراز عن الإثارة وتشويش الأذهان؛ وقد قال عز من قائل: {ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}([101]).

إن حقيقة الدعوة إلى الحرية وخلع طوق العبودية ونص الآيات والأخبار المذكورة سابقاً إنما هي دعوة إلى التوحيد ومن وظائف الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)؛ فعلى من أراد الدخول في هذا الميدان صحفياً كان أم خطيباً أم غير ذلك أن يسير بهذه السيرة المقدسة النبوية، وأن يضع الآية السابقة أمام عينيه، وأن يبذل ما في وسعه لرفع الجهل وتهذيب أخلاق الشعب، وأن يترك الكلام القاسي الذي يحمل على التعدي، ولا يقتحم هذا الوادي إلاّ بعد أن يصبح عالماً متمرّساً، ولا يطلب الشهرة والرياء والوجاهة كما يقوم بذلك بعض الخطباء وبعض الصحف الذين هم إما أصدقاء جهلة أو أعداء عارفين، ذلك لأن أكثر الصدمات والضربات التي تلقاها أصل السعادة وركنها ناتج عن هفوات هؤلاء. فمن اللازم عدم إعطاء أركان الاستبداد المبررات والحجج التي يجعلوها كقميص عثمان، وعليهم أن لا يبعدوا الناس عن هدفهم الأصلي الكامل وأن يحسّسوهم بحريتهم وبما لهم من حقوق، وأن يحفظوا للشريف شرفه، وأن لا يبرّروا عملية الاستبداد ولا يجعلوا للظالمين الحق في أن يفعلوا ما يشاؤون، وأن لا يضيّعوا حرية البيان والقلم، وهما من أعلى مراتب الحرية الموهوبة الإلهية، وحقيقتهما عبارة عن الخلاص من إرادة الطواغيت، ونتيجتهما تفتّح عيون الأمة وآذانها وتفهّم مبادئ الترقي وشرف الاستقلال الوطني.

وعليهم أيضاً الاهتمام في حفظ الدين وحماية الناموس الأكبر، والاتحاد من أجل انتزاع الحرية الإلهية الموهوبة واستنقاذ الحقوق الوطنية المغصوبة، والحرص على تحصيل المعارف وتهذيب الأخلاق، وأن لا يكون من عملهم هتك الأعراض المحترمة وأخذ الأتاوات وحق السكوت من زيد أو أجرة التعرض لعمرو أو إظهار الحقد على بكر ونحو ذلك من الأعمال القبيحة.

وعندما يقومون بالردّ على حجج أعوان الظلمة ودحض أقاويلهم يجب أن تكون لديهم الأهلية العلمية الكافية، وأن يكتفوا بطرح العناوين العامة ويترفّعوا عن التعرض إلى أفراد معيّنين ولو كناية، وأن يتركوا الغمز والإشارة ويعلموا أن واجبهم جمع الصفوف لا تفريقها.

أما بالنسبة إلى الجهل المركب، فإن الموقف يكون صعباً جداً خاصة وأن هذا النوع من الجهل يتضمن اللجاج والعناد والتشرذم والتنافس على قاعدة (النار ولا العار)! ولابد من التعامل معه بهدوء ومداراة وعدم الانحياز إلى جهة، ورفع كل شيء مادة للعناد واللجاج. وبذا يمكن معالجة هذا المرض تدريجياً.

ويبقى علينا أن نيأس ونقطع الأمل من الذين يتعاملون مع عبدة الظلمة ويسعون في إبقاء شجرة الاستبداد الخبيثة ويتمادون مع الظالمين إلى أبعد الحدود، لا لأنهم يجهلون، وإنما لاستحواذ الهوى وحبّ الدنيا على نفوسهم، حيث لا يمكن تصور علاج آخر للأمراض النفسية والأهواء الشهوانية. ومع أن التعريض بهم والوقوف بوجههم يبعث على تنبّه الشعب إلاّ أنه قد يكون من الأولى ترك هذه المصادمات والاكتفاء بالعناوين العامة من جهات عديدة أخرى، وهو المسدد للصواب.

2ـ وعلاج شعبة الاستبداد الديني أصعب وأشكل من علاج باقي القوى، بل هو في حدود الامتناع. ولا سبيل للردع عن الاستبداد وإظهار الأغراض الشهوانية بمظهر الدين إلاّ بالعدالة والتقوى واجتماع الأوصاف المذكورة في الرواية الواردة في كتاب الاحتجاج حول شروط المرجعية "صائناً لدينه، حافظاً لنفسه، مطيعاً لأمر مولاه، مخالفاً لهواه"([102])، ولا نتصور عاصماً آخر.

وقد ورد في فقرة أخرى من هذه الرواية حول العلماء الحاملين لأضداد تلك الصفات وقطاع طرق الدين أن "أولئك أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد ـ لعنة الله ـ على الحسين(عليه السلام)".

فلا نتصور مانعاً يحول دون الاستبداد والاستعباد وإظهار التحكمات النفسية بصورة الدين. وليس بإمكان الضعفاء والعوام من الأمة أن يميزوا فيما بين تلك الأوصاف وأضدادها، أو أن يأخذوا الحيطة والحذر من الوقوع في شباك الصيادين وقطاع الطرق باسم الدين؛ وإذا وقعوا فيها لا يمكنهم التخلص من بين فُرَجِها، إما قصوراً أو تقصيراً، وذلك لأنهم يحسبون الانقياد لهؤلاء أمراً من لوازم الدين! وهذا ما جعل لجهلهم المركب أساساً ثابتاً، وقد أوقعهم فيما لا يمكن الانفلات منه، وأدى بهم إلى حيث الشرك بالذات الأحدية. وهكذا أصبح طريق العلاج مسدوداً، وطرق التخلص من هذه الورطة متعذرة.

ولكن مع هذا كله فحيث إن (فاعلية ما يشاء وحاكمية ما يريد وقاهرية الرقاب) أمور لا يمكن أن ترتدي لباس المشروعية في دين من الأديان أو شريعة من الشرائع فضلاً عن الإسلام والمذهب الإمامي، وحيث كانت الإعانة على هذه العبادة الوثنية بنص الكتاب والأخبار السابقة، سواء كانت بنحو المساعدة والاتحاد مع الظالمين أو السكوت والاعتزال وترك النصرة وخذلان الحق، من الأمور التي لا يمكن إظهارها بصورة حفظ الدين وحماية كيان المسلمين، لأجل هذا وذاك نجد في الظرف الراهن أن آذان الشعب وعيونه قد تفتّحت بحمد الله، وأنهم قد انتبهوا إلى هذه الأمراض المهلكة والمزمنة، وأخذوا بالتحرر نوعاً ما من هذا الاستعباد. ونأمل أن لا يبقى أي أثر للاستبداد الديني بكلتا صورتيه (المباشرة وغير المباشرة).

وبمقتضى الحديث المأثور "يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال"([103]) الذي مفاده من المستقلات العقلية([104]) وموجب لإتمام الحجة وارتفاع العذر، يصبح التزلّف للظالمين، سواء كان بإعانتهم أو عدم الموافقة على سلب الصفات الإلهية عنهم، كاشفاً عن أسرارٍ ومكنونات كان أمرها خافياً. وما هذا التقابل بين الحق والباطل إلاّ محك ـ في الحقيقة ـ لامتحانهم ومعرفة صحيحهم من فاسدهم. قال عزّ من قائل: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين}([105]).

3ـ قلع شجرة عبادة الظالمين الخبيثة، وترويج العلم والمعرفة، وإسناد زمام الأمور في البلاد لمعايير اللياقة والكفاءة والخبرة، وقلع جذور النهب وبيع الوطن وعبادة الملك. وما دام أساس الاستعباد والاستبداد مترسّخاً في هذه البلاد فإن القضاء عليه واستبداله بالعلم والمعرفة أمر مستحيل. وما دام السلطان لم يعِ بعد ـ لانهماكه في الشهوات ـ حقيقة السلطة وأنها عبارة عن إقرار النظام وأن مهمته كمهمة الراعي، ومادام يرى نفسه مشاركاً لله عزّ اسمه في الملك والتدبير والأسماء الحسنى، فإنه بالنتيجة سيعتبر رفض الأمة له وللواقع البائس الذي تعيش، وعدم الرضوخ له والسعي للتخلص منه تمرداً عليه، وإعانته ومساعدته على هذا الظلم والتفرعن وطنية، وسيعمل على استئصال الفريق الذي يعتبرهم خارجين عن طاعته ويقوم بتقريب الفرقة الثانية التي يظن فيها حب بقائه ويهيّئ لهم مدارج الرقي.

وهذا يعني أن طريق الارتقاء والصعود وبلوغ المناصب في البلاد يتلخص في إظهار الحب والولاء للسلطان وعبادته والتزلف له. ومن جهة ثانية ستتأزم العلاقة بين السلطان والرعية وتعمّ حالة من النفور بينهما نتيجة لأعمال الفساد والنهب التي يقوم بها أعوان السلطان الذي يصبح لعبة بيد حفنة من الانتهازيين والطامعين فيقبع في زاوية من الزوايا خوفاً وهلعاً، ويبذل كل همّه لقتل الشعب وهدم البلاد، وتنعدم الرغبة لديه في بسط العدل وإعمار البلاد وكسب ودّ الشعب المحروم بخلاف ما هو معهود لدى سلاطين العالم.

وعندما نلاحظ النص المجرّب القائل: "الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم"([106])، المؤيد بصريح خطاب أمير المؤمنين (عليه السلام) الموجّه إلى مالك الأشتر في بيان حقوق الوالي على الرعية وحقوق الرعية على الوالي، من أن بقاء الملك ودوام الدولة منوط باتحاد الرعية مع الوالي ومجاراته لهم، وأن الإجحاف والاستئثار يوجب زوال الملك وانقراضه؛ وكذلك ما ورد في الأخبار الشريفة من أن السماوات قامت بغير عمد لأن عمادها الباري سبحانه وتعالى([107])؛ بملاحظة كل ذلك، إضافة إلى حكم التجربة والضرورة تكون النتيجة هي فناء السلطان وانقراضه عندما يقوم بتلك الأعمال الظالمة والأغراض الوحشية، ويكون بمساعدة تلك الفئة الظالمة له كمن سعى لحتفه بظلفه، ولن يبقى إلاّ أيام معدودات حتى تحل عليه الليلة الأولى وهو في قبر يزيد {سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً}([108])، وسيخلّد إلى الأبد كأمثال نبوخذ نصر والضحاك وجنكيز وتيمور ويزيد من أصحاب الأسماء السيئة في التاريخ، ومدعاة للعنة، وذلك من أظهر مصاديق الآية المباركة:{خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين}([109]).

وبالجملة، فإن علاج هذه القوة الخبيثة ممتنع ما لم يتم قبل ذلك قلع شجرة الاستبداد، خاصة وأن الأمة الإسلامية أصبحت ـ وطبقاً للأحاديث الشريفة القائلة "لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهُنّ عن المنكر أو ليسلّطَنّ عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب"([110])، ونتيجة لإهمالها هذين الركنين المهمين اللذين هما من دعائم الإسلام كما نصت على ذلك الأحاديث الشريفة ـ محرومة من السعادة بسلطان يرتدع عن الادعاء بمقام {أنا ربّكم الأعلى}([111])، ويستجيب لإسلامه وفطرته الإنسانية، ويدع للأمة حريتها مكتفياً بغصب مقام الولاية عن غصب الرداء الكبريائي الإلهي، ويحث الأمة على استيفاء حقوقها، داعياً لها إلى المحافظة على استقلالها وقوميتها بالوحدة والاعتماد على الغيرة الوطنية، بحيث تصبح في عداد الأمم الراقية، يسودها الاعتقاد بأن التهاون في هاتين الوظيفتين ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ من أعظم المنكرات، ومن شأنه أن يعكس المسألة رأساً على عقب ويرجع الحكم إلى الفرعونية وعبودية الكفرة.

ولنا وطيد الأمل في أن لا يدعَوا هذه اللحظة تمرّ بعون الله تعالى دون أن يغتنموها فرصة لاستعادة مجدهم وأساس حياتهم، وأن يتمسكوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحكموا أساس العدل الموجب لدوام الملك، ويهدموا أساس الظلم المؤدي لانقراض الدولة وزوالها، وأن يستنقذوا رقابهم المغصوبة وحقوقهم الوطنية، ويقلعوا جذور المعبودية للسلطان، ويقضوا على أعوان الظلمة الذين يشكّلون السبب الرئيس في تخلّف الدولة، ويذيقوا السلطان حلاوة العدل والإحسان، ويأخذوا بيده نحو الترفع عن مستوى أن يكون قصّاباً وقاطع طريق ويتحول إلى المستوى اللائق به كسلطان. فإذا أدرك حلاوة العدل وحبّ الشعب له أياماً معدودة فسينبذ عالم السبعية ويدخل عالم الإنسانية وحفظ البلاد والاهتمام بترقية المجتمع، والإعانة على رفع عوامل التنافر بينه وبين الشعب، واستئصال عناصر الفرقة بين صفوفه، وعدم السماح لعبدة الملك والمفسدين بالعودة ثانية إلى مواقعهم، إن شاء الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

4ـ علاج تشتت الآراء، والسعي من أجل الاتحاد. وهو مطلب مستفاد من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) التي نقلناها سابقاً، ومن الأمور الواضحة بالبداهة؛ فإن فائدة الاتحاد غير منحصرة في حفظ حرية الرقاب وصيانة حقوق الملة من الاغتصاب، ومنع تعديات الأشرار ورفع التجاوزات التي تقوم بها الذئاب الضارية آكلة لحوم البشر فقط، بل إن حماية الشرف وحفظ النواميس واستقلال الأمة والحذر من الوقوع فيما هو أشد من محنة بني إسرائيل، كل ذلك منوط باتحاد الكلمة وعدم تشتت الآراء واختلاف الأهواء.

ومن أجل ذلك اهتمّت الشريعة المطهرة برعاية الوحدة وإزالة عوامل الفرقة؛ فمن جملة الحكم المنصوصة لتشريع صلاتي الجمعة والجماعة([112])، حيث يجتمع المسلمون في اليوم والليلة خمس مرات، ويحيط كل منهم خُبراً بأحوال الآخر هو تحقيق هذه الدرجة من الاتحاد، وكذلك الحال في تشريع سائر الجهات الموجبة للألفة والاتحاد، كالترغيب في الولائم غير المكلفة، والإحسان بلا مَنّ، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وتعزية المصاب، والإعانة على قضاء الحوائج، وإجابة دعوة المؤمن، والصفح عن الزلل، ومنع الانزواء والرهبانية، وتحريم النميمة والإيذاء والفتن والإفساد، وغير ذلك من دواعي الألفة والاتحاد ونواسخ التنافر والتباغض، فإنما هو لتحصين هذا الحصن وتشييد هذا الصرح للمسلمين. كما أن اهتمام الشارع المقدّس بتهذيب الأخلاق والردع عن العجب والانقياد للهوى والتخلق بالمواساة والإيثار ناظر إلى وحدة الكلمة ورفع الاختلاف، ذلك أن تفرّق الكلمة وتشتت الآراء ناشئ عن الإعجاب بالنفس والاغترار بها وعن تقديم الأغراض الشخصية على المصالح العامة. ومادامت هذه الرذائل والملكات البهيمية والإعجاب بالنفس مسيطرة على العمل من جهة، ومادامت المبادئ الشريفة كالمواساة وإيثار الغير وسحق الأغراض الشخصية وتقديم المصالح العامة عليها، معدومة من جهة ثانية، فإن إحكام هذا الحصن وتشييد هذا الأساس هو من المحالات؛ ومن العبث محاولة إقامة الصرح العالي على أساس رملي ينهار من كل جانب.

أما تنظر إلى الخروق التي تتجدد وتزداد توسّعاً في كل يوم؛ فتارة يعد سلب الصفات الإلهية الخاصة عن الطواغيت أمراً منافياً للقرآن وتسمى عبادة الظالمين حبّاً للدولة وحماية للدين! وأخرى يلبسون اغتصاب الحرية وظلمها لباس الاباحة، ويعتبرونها من الموهومات، ويعدون المساواة مع غاصبي الحقوق والحريات بمثابة رفع الامتياز فيما بين الأصناف المختلفة الأحكام، تجديداً لمغالطات وتمويهات معاوية وعمرو بن العاص عندما قاموا بقتل عمار بن ياسر السائر في ركاب أمير المؤمنين (عليه السلام). فلم يخجلوا من تبرير الدماء المسفوكة الناشئة عن انضمامهم للظلمة المستعبدين بأنها جاءت نتيجة مطالبته بالحقوق المغتصبة والحريات المنتهكة ورفع الظلم عن الأمة... إلى غير ذلك.

إذن، فأول وظيفة ينبغي القيام بها بعد رفع الجهل عن الأمة وشرح حقيقة الاستبداد والدستورية والمساواة والحرية، هي أن على دعاة الحرية والتوحيد وحماة الدين والوطن ورواد التقدم بذل الجهد وصرف المهج من أجل تهذيب الأخلاق الاجتماعية من هذه الرذائل، وقلع أصول العجب والغرور وغير ذلك من عوامل التفرقة والاختلاف، والحث على تقديم المصالح العامة على الأغراض الخاصة. وكمقدمة مهمة يجب تشكيل المنتديات العلمية الصحيحة وترتيبها على الوضع الأخلاقي الصحيح، وذلك بانتخاب أعضاء مدبّرين مهذّبين كاملين في العلم والعمل، أولي خبرة ودراية ومعرفة وكفاءة، وليس لهم همّ إلاّ إحياء المجتمع الإسلامي والروابط العامة، لا أن تكون كالنوادي الحالية القائمة على أساس حبّ النفس وأكل أموال الناس وطلب الرئاسة والرفعة وقول الزور والأغراض الشخصية العقيمة، والمؤدية إلى عكس المقصود. من انصراف الشعب عن الوحدة والسير في طريق الاستبداد الذي هو أشد وطأة من الاستبداد الأصلي وموجب لالتجاء الأمة من استبداد إلى استبداد أشد، وربما انقادت بشوق إليه اضطراراً ومن باب أهون الشرّين وأخفّ الأمرين، متوسلة بالخنوع لتلك الرقّية البهيمية، تخلّصاً من الاستبداد الذي تعانيه؛ فهي كالمستجير بالرمضاء من النار.

وبالجملة، فإن الغرض من تشكيل الجمعيات والمنتديات وأداء القسم بالقرآن الكريم وسائر المقدسات الدينية هو إزالة الأغراض الشخصية، وتحكيم المصالح العامة، وحماية المجتمع، وإعلاء كلمة الإسلام، ودفع المجتمع على طريق التقدم، وليس هو للتآزر من أجل الشهوات الحيوانية وتحقيق الأهداف الشخصية وإبعاد العقلاء والبسطاء عن دخول هذا الميدان.

والمرض الذي لا علاج له في هذا المجال هو دخول المغرضين وأولئك الناهبين والمحتالين في هذا المشروع باسم حب الوطن والشعب، ويأخذون زمام الأمور بأيديهم، وباسم حبّ الشعب يسحقون الجماهير! كما كان اسم حب الدولة وسيلة لدى عبيد الظلمة للنهب، واسم حفظ الدين شبكة لاصطياد الأغراض الشخصية، وكذلك فإن حبّ الشعب يتخذ ذريعة لدى أولئك المعروفين بالشنائع والأعمال القبيحة الذين يرفعون شعار الدستورية ويحكمون بعملهم أساس الاستبداد، والذين هم أكثر خطراً من باقي القوى اللعينة وأقوى سبباً لتفرّق الكلمة وأشدّ ضرراً على سعادة الأمة من باقي الجهات.

وعلى عقلاء الشعب أن يقوموا بمعالجة هذا الخطر قبل غيره، وأن يسدّوا ـ بعونه تعالى ـ هذه الثغرة التي يصدر منها خطر عظيم، وذلك من الحكمة العملية في هذا المجال.

وبالجملة، فإن أساس تفرّق الكلمة وقهر المجتمع منذ صدر التأريخ وحتى الآن ناشئ من إظهار الغرض الشخصي بمظهر المصلحة العامة. ولهذا السلوك أبواب عديدة تخرج عن حد الإحصاء؛ ويظهر من الأخبار الواردة في تفسير الآية المباركة: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض}([113]) أن أنواع العذاب والعقوبات السماوية والأرضية التي وقعت على الأمم السابقة قد رفعت عن هذه الأمة بفضل دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لها، وبقي عليها تفرّق الكلمة واختلاف الأهواء وما يترتب على ذلك من مصائب الفتك والقتل والأسر وهتك النواميس والأعراض وإذاقة بعض بأس البعض الآخر([114]).

فهذه المفاسد والاختلافات سواء كان منشأها الاستبداد السياسي أو الديني أو العبودية للسلطان أو سائر القوى الملعونة مما هو منشأ للنزاع إنما هي من جملة العذابات الإلهية على هذه الأمة، وعلاجها خارج عن قدرة العلماء والعقلاء والخبراء والمدبّرين، وليس بإمكان أحد أن يقف دونها أو يحول بينها وبين من وجّهت إليه؛ ولا يجدي فيها غير التوبة والإنابة والتوسل والاستشفاع بمظاهر الرحمة (صلوات الله عليهم).

ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، وأجمع على التقى كلمتنا، وعلى الهدى شملنا، بمحمد وآله الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين.

وأما علاج بقية القوى الملعونة، فلا يتم إلاّ بقلع شجرة الاستبداد الخبيثة وسلب (فعالية ما يشاء)، وانتزاع الطاقات المغتصبة من غاصبيها؛ فما دامت هذا الشجرة باقية وأساس التحكم قائماً وإمكانات البلد مغتصبة، فلن يقف القتل والنهب والأسر والحبس واستئصال النفوس الأبية وأحرار الأمة وأماجدها عند حدّ، ولا تنتهي حالة الاغتصاب لطاقات البلد، ولن تكون حالة الدولة وما فيها إلاّ كما عبرت البومة الخاطبة لرفيقتها يوماً:

إذا الملك هذا وهذي الحياة       فخذ منها أضعافاً مضاعفة

ومادام القانون الجامع لوظائف كل الطبقات غير مطبّق في البلد، والفرق بين القوي والضعيف لم يعدم في مجال الحقوق والقوانين، ومادام القوي طامع في باطله والضعيف آيس من حقه، فليس هناك علاج لاستئصال ظلم الأقوياء لضعفاء البلد وفقرائه.

ومادامت قوى وطاقات الشعب المادية والعسكرية وغيرها مغتصبة وثرواته عرضة للنهب والسرقة وغير خاضعة لإشراف وكلاء الشعب ونوّابه، ومادام الجيش نتيجة جهله وغبائه جاهلاً بوليّ نعمته ـ الذي هو الشعب لا أولئك الغاصبين لرقابه ـ غافلاً عن مهمته الرئيسية التي حدّدها الإمام علي (عليه السلام) من خلال وصفه الجند بأنهم الحصون الواقية للرعية، لا آلة بيد أعداء الشعب يستخدمونها لقمع الشعب وإرضاء نزواتهم الشيطانية، أقول: ما دامت الأمور هكذا، فلا تتوقع نتيجة غير استخدام الطواغيت لطاقات الشعب في سبيل إنهائه والقضاء عليه، ولهذا صدر الحكم بتحريم دفع الضرائب؛ فمع جيش من هذا النوع وعشائر متوحشة تفوق في الغباوة وقلة الإدراك حتى الشاميين من أتباع معاوية ويزيد، والذين ليس لهم حظّ من الدين ولا نصيب من الفطرة، ولا شيء من حبّ الوطن، لا ينفع علاج غير انتزاع القدرة وتحييد كل الأنشطة والفعاليات بعونه تعالى وحسن تأييده.

ويحسن بنا ونحن في الخاتمة أن نكمل تلك الرؤيا التي ذكرنا طرفاً منها فيما سبق، وهي رؤيتنا للمرحوم آية الله الميرزا حسين الطهراني (قدس سره) والمتعلقة بهذه الرسالة.

ففي أوّل شروعنا بكتابة هذه الرسالة، كنّا قد كتبنا فصلين آخرين علاوة على فصولها الخمسة، وهما في إثبات نيابة الفقهاء العدول في عصر الغيبة في إقامة الوظائف الراجعة إلى سياسة الأمة والفروع المتعلقة بوجوه وكيفية ذلك، فكانت فصول الكتاب سبعة. وفي تلك الرؤيا بعدما تقدم لك منها سابقاً من تشبيه الدستورية بالجارية السوداء التي غسلت يديها من الأدران المتعلقة بها؛ فقد سألته في تلك الرؤيا عن لسان ولي العصر أرواحنا فداه: هل الرسالة التي أنا مشغول بها الآن ماثلة بحضور الإمام (عليه السلام)؟ فأجابني: نعم، غير موضعين منها. وبقرائن الحال عرفت أن المقصود بالموضعين هما الفصلان المذكوران لا غير، وذلك لعدم تعلّقهما بالغرض الذي وضعت له هذه الرسالة وهو لفت أنظار العوام إلى ما ينتفعون به من الأمور، والفصلان المذكوران ليسا من هذا القبيل. لهذا أسقطت الفصلين واكتفيت بالفصول الخمسة.

وقد ختم بيد مصنّفه الفقير الجاني محمد حسين الغروي النائيني من الواد المقدس الغري على مشرفها أفضل الصلاة والسلام في شهر ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرون (1327) من الهجرة المقدسة على مهاجرها وآله أفضل الصلاة والسلام. (( الموافق للثامن من نيسان 1909م)).


[1] ـ استهل المؤلف كتابه بهذه الصفحات دون أن يعنونها بعنوان. فاخترنا لها عنوان التوطئة.

[2] ـ السمندر والسميدر دابة تعيش في الماء وعلى اليابسة، وقيل إنها تفرز مادة تطفئ النار، ولذلك زعموا أنها لا تحترق. المنجد في اللغة/مادة (سمد).

[3] ـ المقرم، عبد الرزاق، مقتل الحسين، ص250. والنص الكامل لقول الإمام (عليه السلام) هو: "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبي الله لنا ذلك ورسوله، والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام".

[4] ـ المقرم، عبد الرزاق، مقتل الحسين، ص250. والنص الكامل لقول الإمام (عليه السلام) هو: "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبي الله لنا ذلك ورسوله، والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام".

[5] ـ سورة غافر: الآية 26.

[6] ـ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص54، ط. بيروت، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل لعنه الله". وأورده الحر العاملي في الوسائل، ج16، ص269، ط. مؤسسة آل البيت.

[7] ـ الفلسفة في الاصطلاح القديم تعنى بجميع العلوم، وكانوا يقسمونها إلى حكمة نظرية وحكمة عملية، ويقسمون الحكمة العملية إلى ثلاث شعب هي: الأخلاق وسياسة المدن وتدبير المنازل. انظر: المنهج الجديد في تعليم الفلسفة/ محمد تقي مصباح اليزدي، ج1، ص15.

[8] ـ سورة الأنبياء: الآية 23.

[9] ـ ملك إيراني، عاش بين عامي 531 ـ 579م.

[10] ـ حكيم إيراني عاصر كسرى أنوشيروان وكان من وزرائه.

[11] ـ لأن مقام الإمامة حسب التصور الإمامي لا يشغله إلا إمام معصوم، وقد ينوب عنه نائب خاص أو نائب عام، والنائب العام هو الفقيه الجامع للشرائط . ولدى غيبة الإمام وفقد النائب الخاص وعجز النائب العام عن تولي الصلاحيات المنوطة به يكون مقام الإمامة مغصوباً، والمؤلف (قدس سره) يتحدث هنا على فرض هذه المغصوبية.

[12] ـ يقصد ما قبل عام 1327هـ تاريخ صدور الكتاب.

[13] ـ ابن الطقطقا، محمد بن علي بن طباطبا، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، ص29، دار صادر ـ بيروت.

[14] ـ سورة الرعد: الآية 11.

[15] ـ سورة الشعراء: الآية 22.

[16] ـ سورة المؤمنون: الآية 47.

[17] ـ سورة الأعراف: الآية 127.

[18] ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج18، ص126، باب 11، رواية 36، عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دخلاً وعباد الله خَولاً ومال الله دولاً". مؤسسة الوفاء، ط ـ بيروت.

[19] ـ الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج5، ص367، تحقيق السيد أحمد الحسيني، ط ـ طهران.

[20] ـ سورة الأنعام: الآية 94. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي، ج3، ص544، ط.بيروت.

[21] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة 192. والنص الوارد هنا ناقص والصحيح هكذا "... وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح...". والشيح نبات صحراوي.

[22] ـ سورة البقرة: الآية 49، وفي موارد أخرى من القرآن الكريم أيضاً.

[23] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة93.

[24] ـ ليس هذا نصاً واحداً، بل مجموع نصين للإمام الحسين (عليه السلام)؛ ففي جوابه لقيس بن الأشعث عندما قال له: أولا تنزل على حكم بني عمك؟ قال له الإمام الحسين (عليه السلام): "لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار ـ أو أقرّ إقرار ـ العبيد..." وذلك ضمن خطابه الأول الذي ألقاه على جيش عبيد الله بن زياد في يوم عاشوراء. وفي خطابه الثاني قال (عليه السلام): "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة.."، عبد الرزاق المقرم، مقتل الحسين، ص280ـ287.

[25] ـ هكذا أورد المصنف البيت الشعري ونسبه إلى اسم غير معروف. ولكن المعروف أن هذا البيت للسيد حيدر الحلي في قصيدة مطلعها:

قد عهدنا الربوع وهي ربيع          أين لا أين أنسها المجموع

ثم يقول:

كيف يلوي على الدنية جيداً          لوى الله ما لواه الخضوع

ديوان السيد حيدر الحلي، تحقيق علي الخاقاني، ج1، ص87، ط ـ بيروت.

[26] ـ المقرم، عبد الرزاق، المصدر السابق، ص303.

[27] ـ سورة النور: الآية 55.

[28] ـ وهي: "اللهم اجعله الداعي إلى كتابك والقائم بدينك؛ استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله، مكّن له دينه الذي ارتضيته له، أبدله من بعد خوفه أمناً، يعبدك لا يشرك بك شيئاً". عباس القمي، مفاتيح الجنان المعرَّب.

[29] ـ الطبرسي، أحمد بن علي، ج2، ص471، ط ـ بيروت. ضمن التوقيع الصادر عن الناحية المقدسة في جواب الإمام (عليه السلام) عن أسئلة أحمد بن إسحاق قال (عليه السلام): ".... وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي". وهو يحمل نفس المعنى.

[30] ـ سورة التوبة: الآية 31.

[31] ـ وهنا يظهر عمق النزوع الإسلامي نحو التحرر ومكافحة الاستبداد، خلافاً لما يدّعيه العلمانيون من الربط بين الاستبداد وبين الدين ـ أيّ دين ـ ويجعل الثاني مسؤولاً عن الأول. ومن المؤكد أن المؤلف لا يريد بكلامه هذا امتداح الربط العلماني الغربي بين الاستبداد وأصل الدين، وإنما يمتدح التنبّه إلى العلاقة بين الدين المزيّف وبين الاستبداد. وإلا فإن الشيخ يؤكد ويستدل باستمرار على أن الحكم الإسلامي حكم دستوري شوروي وأن الاستبداد ظاهرة أموية المنشأ.

[32] ـ سورة طه: الآية 47.

[33] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة: 192. "فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل... تأملوا أمرهم .. ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم... في بلاء أزل، وإطباق جهل، من بنات موءودة، وأصنام معبودة؛ فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حيث بعث رسولاً، فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته ألفتهم".

[34] ـ ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص312، وكان ذلك في معركة بدر الكبرى.

[35] ـ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج1، ص523ـ537.

 

[36] ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج22، ص508، ط ـ طهران.

[37] ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج4، ص151، ط ـ بيروت. وفي صحيح البخاري عن عائشة أن أسامة بن زيد تشفع عند الرسول في امرأة سرقت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فخطب وقال: يا أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق شريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد؛ و أيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها". وورد هذا الحديث أيضاً في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، ج2، ص19، أما المصادر الإمامية فلم تذكره.

[38] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة: 224.

[39] ـ ابن الجوزي، يوسف بن فرغل، تذكرة الخواص، ص114، المذكور في المصدر أن صاحب القصة هو الإمام الحسن (عليه السلام) خلافاً لما ذكره المؤلف الشيخ النائيني من أن صاحب القصة هو الإمام الحسين (عليه السلام).

[40] ـ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج3، ص163 عن أبي رافع خازن بيت المال عند الإمام علي (عليه السلام).

[41] ـ التنوّر والتمدن... الخ مصطلحات يستخدمها الشيخ النائيني هنا، ولا شك أن قصده منها المفهوم الإسلامي لا الغربي، بدليل ما سيأتي من استشهاده بكلمة الخراساني يصف فيها عملية التغريب والغزو الفكري الغربي بالسيل العارم المنحدر من بلاد الغرب صوب البلدان الإسلامية، والذي سيجرف بناء الإسلام وركائزه إذا لم يتم التصدي المناسب له. ومن المعلوم أن الفترة التي كتب فيها الشيخ النائيني كتابه كانت تشهد ولادة وعي تغييري إصلاحي إسلامي جديد لم يكن معهوداً لدى المسلمين من قبل. وهذا هو المعنى الذي يقصده الشيخ من تلك المصطلحات.

[42] ـ سورة البقرة: الآية 42.

[43] ـ الفلك الأطلس، مصطلح لدى علماء الهيئة يراد به الفلك الأخير الذي يحيط بباقي الأفلاك، ويسمى بالفلك المحيط أو فلك الأفلاك.

[44] ـ مثل إيراني يضرب لبيان عبثية عملٍ ما عندما يراد به تحقيق أمر متعذّر.

[45] ـ الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ص458، نقلاً عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (ع)، وقائل النص المذكور هو الإمام العسكري (ع).

[46] ـ سورة آل عمران: الآية 187.

[47] ـ سورة الفتح: الآية 23.

 

[48] ـ سورة النمل: الآية 32.

[49] ـ سورة طه: الآية 62.

[50] ـ سورة القصص: الآية 4.

[51] ـ قال تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربّك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوّفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} سورة الإسراء: الآية 60. وقد فُسّرت الشجرة المذكورة ببني أمية. انظر الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج13، ص140.

[52] ـ الميرزا حسين خليل أحد المراجع البارزين بعد السيد المجدد الشيرازي، ولد سنة 1236هـ، (1820م)، ودرس في النجف الأشرف عند الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر والشيخ مرتضى الأنصاري. أيّد الحركة الدستورية كباقي مراجع عصره، وعرف بالزهد والتقشف. توفي في شوال 1326هـ (1908م).

[53] ـ وقد تحقق قدر من هذه النبوءة في أواخر آذار 1912م حينما قامت الجيوش الروسية المحتلة للشمال الإيراني بقصف مشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، فانهدم اثر ذلك جزء من القبة والسقف وقتل وجرح عدد من الزوار.

[54] ـ لعله يقصد بالجارة الجنوبية الاستعمار الانجليزي الذي كان مسيطراً على الهند والمحيط الهندي والذي اقتسم مع روسيا إيران في مطلع القرن العشرين، وإلاّ فإنه لا توجد لإيران جارة جنوبية شاركت روسيا في اقتسامها البلد.

[55] ـ سورة آل عمران: الآية 159.

[56] ـ التخصص والتخصيص مصطلحان أصوليان، يراد بأولهما خروج مورد عن موضوع دليل خروجاً حقيقياً كخروج الخل عن موضوع دليل حرمة الخمر، ويراد بالثاني الخروج الحكمي مع بقاء الموضوع كقول القائل لا تكرم زيداً العالم بعد قوله أكرم العلماء، فإن زيداً يبقى عالماً رغم صدور الحكم بعدم إكرامه. وقد أراد المؤلف أن يقول: إن أهل الشورى لا يحق لهم التشاور في الأمور الشرعية، وإن خروج هذه الأمور عن دائرة الشورى هو من التخصص لا التخصيص.

[57] ـ سورة الشورى: الآية 38.

[58] ـ الطبري، محمد بن جرير،  تاريخ الطبري، ج2، ص60، حوادث السنة الثالثة للهجرة، لما سمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بنزول المشركين من قريش واتباعها قال لأصحابه: "أشيروا عليَّ ما أصنع". وفي سيرة ابن هشام وتاريخ الإسلام للذهبي والكامل في التاريخ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قصّ عليهم رؤيا بشأن الحادث وعبّرها، وكان رأيه البقاء في المدينة، فإذا جاء المشركون قاتلهم المسلمون، لكن جماعة من المسلمين كان رأيهم النفير، فوافقهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ندموا وعادوا إلى رأيه لكنه قال لهم: "ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحارب". السيرة النبوية لابن هشام، ج3، ص68، دار احياء التراث العربي ـ بيروت.

[59] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة 216، والبادرة: الغضب.

[60] ـ سورة يوسف: الآية 65.

[61] ـ سورة البقرة: الآية101.

[62] ـ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج1، ص245، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، نقل عن التهذيب للشيخ الطوسي رواية مضمرة ـ لم يذكر الإمام المسؤول فيها ـ عن زرارة عن الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فأجابه الإمام بجواب طويل منه قوله (عليه السلام): "... ولا تنقض اليقين أبداً بالشك، وإنما تنقضه بيقين آخر". وهناك روايات أخرى بهذا المضمون جعلت أساساً لتشييد نظرية الاستصحاب في علم أصول الفقه.

[63] ـ سورة الأنعام: الآية 121.

[64] ـ سورة ص: الآية 5 ـ 7.

[65] ـ الآخوند ملا محراب الحكيم الكيلاني، من مشاهير العرفاء والحكماء ومن تلامذة آقا محمد بيد آبادي، توفى عصر الأحد 14 جمادى الأولى 1217هـ (1802م)، لم نعثر على ترجمة له في طبقات أعلام الشيعة، ولا في أعيان الشيعة، سوى ما ذكره السيد العاملي في الأعيان،ج 9، ص327، ضمن ترجمة الملا صدرا، من أن بعض عوام الناس كانوا يعقّبون صلاة الصبح بلعن الملا صدرا تسبيحة كاملة وبعضهم الآخر يعقّبها بلعن المولى محراب على الحكيم الأصفهاني! ثم ذكر طريقة مفادها أن الملا محراب كان جالساً في كربلاء ـ بعد ما جاء إليها متخفّياً من أصفهان اثر تكفيره هناك! ـ وإلى جنبه أحد العوام يدير تسبيحة كاملة بلعن الملا محراب وأضرابه من القائلين بوحدة الوجود، فانتظره حتى أكمل هذه التسبيحة، ثم قال له: لماذا تلعن هؤلاء؟! أتعرفهم؟! فقال: لأنهم يقولون بوحدة واجب الوجود. وغرضه أنهم يقولون بوحدة الوجود! فلم يكن أمثال هذا يميزون بين الاعتقاد بوحدة واجب الوجود وبين القول بوحدة الوجود.

[66] ـ واضح أن المؤلف يقصد بكلمة الكفر غرض الخوارج حينما اتخذوا هذه الآية شعاراً لهم لتمرير مقاصدهم الباطلة، ولا يقصد نفس الآية.

[67] ـ القمي، عباس، مفاتيح الجنان.

[68] ـ سورة البقرة: الآية 75.

[69] ـ سورة الأعراف: الآية 179.

[70] ـ سورة الأعراف: الآية 176.

[71] ـ سورة الحشر: الآية 2.

[72] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة الثالثة.

[73] ـ لياخوف، الضابط الروسي الذي استعان به محمد علي شاه لضرب المجلس بالمدفعية في حزيران 1908م وكان معه جنود من القوزاق.

[74] ـ ابن كمونة: هو عز الدولة سعد بن منصور بن سعد بن الحسن بن هبة الله بن كمونة البغدادي. توفي سنة 690هـ. له مؤلفات بخطه في الخزانة الغروية في النجف يظهر منها حسن إسلامه وعقيدته. وشبهته هي تلك التي تساءل فيها عن المانع من وجود ماهيتين متباينتين يصدق عليهما معاً مفهوم واجب الوجود، وقد أعضلت هذه الشبهة على فلاسفة المسلمين قروناً عديدة حتى سمّاها صدر المتألهين بافتخار الشياطين. وقد أجيب عنها بعد ذلك بأجوبة عديدة. انظر نهاية الحكمة للعلامة الطباطبائي، ص 213.

[75] ـ إذا ضرب العدد في نفسه مرة صار جذراً تربيعياً، وإذا ضرب في نفسه مرتين صار تكعيبياً، مثل العدد (3) الذي يسمى جذراً منطقياً، وفي مقابله الجذر الأصم، كالعدد الذي إذا ضرب في نفسه كان الناتج عشرة؛ فلتعسّر هذا العدد يسمى بالجذر الأصم. وغالباً ما يقرن بشبهة ابن كمونة، وتوصف به المغالطة عند استحكامها ظاهرياً.

[76] ـ إشارة إلى ولاية المعصوم (عليه السلام) على الأنفس، طبقاً لقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} سورة الأحزاب: الآية 6.

[77] ـ سورة آل عمران: الآية 173.

[78] ـ سورة الأنعام: الآية 107.

[79] ـ سورة هود: الآية 12.

[80] ـ سنذكر المقطع الأول منها في نهاية المقصد الأول من الخاتمة، ونقتصر هنا على ما يرتبط بإشارة المؤلف (قدس سره)، وهو أن عمر بن حنظلة سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الحكم فيما لو اختار المتنازعان قاضيين وحكم كل منهما بحكم مختلف عن الآخر، وكان القاضيان متساويين في العدالة والتقوى. فأجابه الإمام (عليه السلام): "ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه أصحابك فيؤخذ به، فإن المجمع عليه حكمنا لا ريب فيه". من لا يحضره الفقيه، ج3، ص19، ط جامعة المدرسين في قم.

[81] ـ ابن هشام، السيرة النبوية، ج3، ص234: لما اشتد البلاء بعث الرسول إلى قائدين من قواد المشركين أن يعطيهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينهما وبينه الصلح، فلما أراد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفعل استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا له: أمراً تحبه فنصنعه؟ أم شيئاً أمرك الله به لابد لنا من العمل به؟ أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرىً أو بيعاً؛ أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا! والله مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلاّ السيف. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب. ثم قال: ليجهدوا علينا.

[82] ـ إشارة إلى قوله (عليه السلام): "فلم آتِ لا أبا لكم بجراً، ولا ختلتكم عن أمركم، ولا لبّسته عليكم، وإنما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما ألاّ يتعديا القرآن". صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة 127. أو لعله إشارة إلى قوله (عليه السلام): "وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم عليَّ إباء المنابذين، حتى صرفت رأيي إلى هواكم". الخطبة 36. وما قاله المؤلف نقل بالمضمون، فإن العبارة المذكورة في المتن لا وجود لها في التراث الأدبي للإمام (عليه السلام).

[83] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الكتاب: 53.

[84] ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج72، ص281، دار احياء التراث العربي. عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "خير الناس من انتفع به الناس، وشرّ الناس من تأذّى به الناس، وشرّ من ذلك من أكرمه الناس اتّقاء شرّه، وشر من ذلك من باع دينه بدنيا غيره".

[85] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، اللكتاب 53.

[86] ـ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج2، ص223.

[87] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة 216. ذكر المؤلف هذه المقتطفات من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) بزيادة بعض المفردات ونقيصة أخرى، واختلف في بعض آخر عمّا ورد في طبعة الدكتور صبحي الصالح. فوضعت المفردات المفقودة والمختلفة عن الطبعات الأخرى بين قوسين، وجعلت المفردة الزائدة عن هذه الطبعة بين معقوفتين، وهكذا الأمر في التحقيق الآتي في بشأن الخطبة القاصعة لأمير المؤمنين (عليه السلام).

[88] ـ سورة النساء: الآية59.

[89] ـ جمشيد رابع الملوك البيشدادية الذين وضعوا القانون وعملوا به وجعلوه أساساً للحكم والعدل، ولازالت آثارهم باقية إلى الآن في محافظة فارس، وهي المعروفة بتخت جمشيد. ويقال إنه عاش ألف سنة وحكم 700 سنة!

[90] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الكتاب 53.

[91] ـ هو السيد محمد حسن المعروف بالمجدد الشيرازي، المرجع الديني الأعلى في عصره وأستاذ المؤلف، ولد سنة 1230هـ (1814م) في شيراز ونشأ هناك ثم هاجر إلى أصفهان للدراسة فيها. وبعد أن قطع شوطاً اتجه إلى النجف فحضر درس الشيخ مرتضى الأنصاري وآخرين، وبعد وفاته انتخبه علماء عصره كمرجع أعلى واتفقت له زعامة مطلقة. قاد ثورة التنباك ضد ناصر الدين شاه، وتوفي سنة 1312هـ (1894م).

[92] ـ سورة التوبة: الآية 31.

[93] ـ الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج9، ص255، وذكر مصادر هذه الأحاديث ونقل عن الكافي للكليني الخبر الآتي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله؟! فقال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون.

[94] ـ مضمون بيت شعري باللغة الفارسية.

[95] ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج64، ص77ـ129، باب طينة المؤمن وخروجه من الكافر وبالعكس.

[96] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الكتاب 53.

[97] ـ سورة القصص: الآية 4.

[98] ـ سورة الأنفال: الآية 26.

[99] ـ روي الكليني في الكافي بسنده إلى عمر بن حنظلة أنه سأل الإمام الصادق عن التحاكم إلى السلطان، فأجابه الأمام (عليه السلام) بجواب مفصل، منه قوله: "ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلتكم عليكم حاكماً؛ فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله". الكافي، ج1، ص67، ط بيروت ، وأورد الشيخ الطوسي هذه الرواية في التهذيب، مرتين، ورد الذيل في إحداهما هكذا: ".... فإنما بحكم الله استخف وعلينا ردّ والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله"، التهذيب، ج6، ص218،301، ولم يرد في أي منها عبارة "كالراد على الله وهو في حد..." الواردة في المتن.

[100] ـ صبحي الصالح، تنظيم نهج البلاغة، الخطبة الثالثة، فقرة يقول فيها الإمام علي (عليه السلام): "فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون".

[101] ـ سورة النحل: الآية 125.

[102] ـ الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ص458، بيروت. ونص الرواية عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) هكذا "فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه...". والرواية طويلة جداً، وهذه فقرة منها.

[103] ـ لم يُعثر على مصدر للحديث المذكور. والنص الموجود هو كلام للإمام علي (عليه السلام) مع الحارث الهمداني حول اختلاف الناس في قضية الخلفاء الأربعة، حيث خاطبه الإمام بقوله: "... إن دين الله لا يعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله". المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج6، ص179.

[104] ـ المستقلات العقلية مصطلح أصولي يراد به الأحكام التي يعتمد الإنسان في إصدارها على العقل ولا يحتاج فيها إلى مقدمات غير عقلية، ويقال أحياناً: "هذا ما يستقل به العقل"، ويراد به الحكم الذي يتوصل إليه العقل بالبداهة.

[105] ـ سورة العنكبوت: الآية 2ـ3.

[106] ـ لم يُعثر على مصدر لهذا النص. والموجود هو النص التالي المنسوب للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): "يبقى الملك بالعدل مع الكفر ولا يبقى بالجور مع الإيمان". ذكره الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه الدين والإسلام، ص105 واصفاً إياه بأنه من جوامع كلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يذكر مصدره.

[107] ـ الفيض الكاشاني، محمد محسن، تفسير الصافي، ج2، ص638، في ذيل الآية {والسماء رفعها ووضع الميزان}، نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث: "بالعدل قامت السماوات والأرض".

[108] ـ سورة الأحزاب: الآية 62.

 

[109] ـ سورة الحج: الآية 11.

[110] ـ ورد هذا النص في كنز العمال للمتقي الهندي، ج3، ص687 بتغيير طفيف عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "لتأمرنّ بالمعروف وتنهنّ عن المنكر أو ليسلطنّ الله عليكم شراركم فليسومنّكم سوء العذاب". وفي الكافي، ج5، ص56، عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: "لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم".

[111] ـ سورة النازعات: الآية 24.

[112] ـ لم يعثر على نص يعلّل صلاتي الجمعة والجماعة بما ذكره المؤلف هنا، والشيء الذي عثر عليه هو خبر عن الإمام الصادق (عليه السلام) ذكره الشيخ الصدوق في علل الشرائع، يقول فيه الإمام الصادق (عليه السلام): "إنما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيّع، ولولا ذلك لم يمكن أحداً أن يشهد على أحد بصلاح، لأن من لم يصلّ في جماعة فلا صلاة له بين المسلمين، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا صلاة لمن لم يصلِّ في المسجد مع المسلمين إلاّ من علة". علل الشرائع، ج2، ص15، ط ـ قم.

[113] ـ سورة الأنعام: الآية 65.

[114] ـ الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج7، ص150، ط ـ بيروت.